تعقيب على د. حيدر ابراهيم علي حول مقاله: الصحوة الماركسية: ماركس لم يزر السودان ابدا

تاج السر عثمان alsirbabo@yahoo.co.uk

الأستاذ تاج السر عثمان كتب د. حيدر ابراهيم علي في صحيفة (الصحافة) الصادرة بتاريخ: 5/1/2009م مقالا بالعنوان اعلاه، وبعد الاطلاع على المقال، أود أن ابدي عليه الملاحظات الآتية:

1- غير صحيح ما أورده الكاتب أن مؤتمر الحزب تأخر (لأسباب غير معلومة أو غير مقبولة ومعقولة)، فقد أوضح الحزب ذلك في صحيفة الميدان الصادرة بتاريخ: الثلاثاء: 30/12/2008م، وهي أسباب معقولة وموضوعية، هذا فضلا عن أن المؤتمر ليس مكان المناقشة والتي جرت بشكل واسع في مؤتمرات قواعد الحزب، بل يرسم السياسات والخلاصات والوجهة العامة للحزب ويجيز مشروعي البرنامج والدستور الجديدين، وينتخب اللجنة المركزية الجديدة أي هو خلاصة وتتويج لمناقشة فتحها الحزب الشيوعي السوداني منذ اغسطس 1991م وتم تلخيصها في خمس كتيبات وتم نشرها، اضافة إلى نشر مشاريع التقرير السياسي و البرنامج والدستور للرأي العام المحلي والعالمي، وشارك معنا الكثيرون من القوى الوطنية والديمقراطية في المناقشة على صفحات الصحف ومنابر الحزب في ندوة الاربعاء الاسبوعية بالمركز العام، واستمع الحزب لوجهات النظر المختلفة من المتخصصين، واستفاد منها كثيرا، وبالتالي أرى ان الحزب الشيوعي وسع من دائرة المناقشة، فكيف يكون (جزء اصيل من أسباب الأزمة السودانية) وكيف يكون قد (احتكر بامتياز الريادة وقضية التقدم والتغيير) كما يقول الكاتب؟!!!، ولماذا نقلل من جهد القوى الأخرى في المساهمة، ونحمل الحزب الشيوعي اكثر مما يحتمل في احتكار التقدم والحداثة؟!!!، فحركة التقدم والحداثة، كما يعلم د. حيدر، بدأت قبل ظهور الحزب الشيوعي ومع فجر الحركة الوطنية في عشرينيات القرن الماضي، واسهم الحزب الشيوعي فيها بقدر ماساهم الاخرون، وقد تحدثت عن ذلك بتفصيل في كتاب انجزته بعنوان (تقويم نقدي لتجربة الحزب الشيوعي السوداني، دار عزة 2008م). فالحزب الشيوعي ليس وصيا على حركة التقدم والحداثة ولا يحتكرها.

2- لجأ الكاتب إلى أساليب غير موضوعية ولا تساعد في النقاش مثل عبارات (الشيخوخة والتردد والبيروقراطية) (وفي الليلة الظلماء يفتقد القمر) (ولم يعد القمر يضئ لنفسه ويحل مشكلاته الداخلية، ناهيك عن أن يمتد للوطن اجمع)، واذا كانت هذه الصورة حقيقية فما الذي يزعج د. حيدر؟ ولماذا يرهق نفسه في كتابة هذا المقال؟!! ولماذا يرهق نفسه في الهجوم على الشيوعية والماركسية بهذه الطريقة غير الموضوعية؟؟!!

 أما الحديث عن الطوطم (الشيوعي) فهو حديث لا معنى له، لأن مفهوم الشيوعية يرتبط بمرحلة متقدمة في تطور التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية رسم ماركس وانجلز ملامحها العامة ولم يخوضا في تفاصيلها باعتبار أن العلم في المستقبل هو الكفيل بالاجابة، وتتلخص هذه الملامح العامة في : ان المرحلة الشيوعية تمثل بداية التاريخ الانساني الخالي من كل اشكال الاستغلال الطبقي والعنصري والديني والجنسي والقومي، وتتوفر فيها للانسان احتياجاته الاساسية في: التعليم والصحة والضمانات الاجتماعية مثل حق الامومة والطفولة والشيخوخة، ويزول فيها قانون القيمة الخاص بحركة السلع في المجتمع الرأسمالي، ويتحقق فيها تطور الفرد الحر باعتباره الشرط لتطور المجموع الحر، وتضمحل فيها الدولة كجهاز للقمع وتصبح قريبة من الناس وفي خدمتهم...الخ.

  واذا كان الأمر كذلك فما علاقة ذلك (بالطوطم) (والصنمية)؟؟؟!!!!

3- أما الحديث عن الصحوة الماركسية فهو حديث مردود، فالماركسية اصلا لم تمت حتى تتم صحوة لها، رغم ما اصابها من داء الجمود في الفترة الستالينية، وكما قال الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا بعد انهيار التجربة الاشتراكية ان (الذي مات ليس الماركسية، بل التصور الستاليني الجامد لها ، اما ماركس الفيلسوف المفكر العميق فهو حي بيننا)، وكما كان يقول الفيلسوف الفرنسي سارتر (الماركسية لن تموت أو تزول لأن الظروف التي اوجدتها ما زالت قائمة، فالماركسية قامت على نقد المجتمع الرأسمالي، وطالما ظل المجتمع الرأسمالي قائما بكل بشاعته وركائزه، فان مشروعية النقد تكون قائمة، وبالتالي فان الماركسية ستظل جذوتها متقدة)، ويعلم د. حيدر التطور الهائل الذي حدث في الفكر الماركسي مثل مساهمات: لينين وغرامشي ولوكاتش، وبول باران وسمير امين، والتحام الماركسية بالنضال العملي من أجل توفير احتياجات الناس الاساسية فيما يسمي بلاهوت التحرير في امريكا اللاتينية، ونقد استغلال الدين لخدمة مصالح طبقية ودنيوية، فهدف الماركسية اساسا قام على دراسة الواقع من اجل فهمه وتغييره وليس تفسيره فقط، ولم يكن هدفها المحاربة الفوضوية للاديان، وقد انتقد انجلز في مؤلفه (انتي دوهرينغ) تصور الاستاذ الجامعي الاشتراكي (دوهرينغ) الفوضوي في النظرة إلى الدين، وأشار انجلز إلى ضرورة أن تطرح الدولة الاشتراكية حرية العقيدة والضمير، اما ماركس في كتاباته الأخيرة فقد كان يركز على أن هدف الاشتراكية العلمية أو الشيوعية ليس محاربة الاديان، بل الهدف تحرير الانسان، وليس هدف الاشتراكية احلال الالحاد محل الدين، أو احلال دين محل دين، هذا فضلا ان الحزب الشيوعي السوداني ليس منتدىً فلسفيا، بل حزب يضم كل من يقبل برنامجه ودستوره الذي ينص على احترام معتقدات الناس، أي ان الالحاد ليس شرطا من شروط العضوية للحزب، وهذه أشياء يعلمها د. حيدر جيدا كمثقف ومع ذلك لجأ في محاربته للماركسية والشيوعيين لاستخدام سلاح الدين عندما أشار في مقاله (أن مايقلق هو القول بأن الماركسية لا تتعارض مع الدين) كما جاء في كتابات تاج السر عثمان، ود. صدقي كبلو، وسليمان حامد والاستاذ كمال الجزولي، وبالتالي، فان د. حيدر انحدر في عدائه للحزب الشيوعي إلى استخدام سلاح صدئ تجاوزه الزمن وتخلى عنه حتى الاعداء التقليديين، بعد تجربة قوانين سبتمبر 1983 ونظام الانقاذ، وهو استغلال الدين في محاربة الحزب الشيوعي السوداني.

4-  مقال حيدر انتقائي في معالجته لنقد الحزب الشيوعي لسلبياته رغم فضيلة النقد الذاتي بهدف اصلاح الخطأ في نشاطه، وكان هذا ديدن الحزب الشيوعي منذ تأسيسه، اي استخدام المنهج العلمي النقدي والذي لا يعرف الرضا عن النفس من اجل الاقتراب من الواقع ودراسته بهدف استيعابه وتغييره، حتى تم ترسيخ هذا المنهج في وثيقة المؤتمر الرابع (الماركسية وقضايا الثورة السودانية). ومنهج وثيقة المؤتمر الرابع لا علاقة له بما أشار اليه د. حيدر بأن الحزب الشيوعي (حاول سودنة الماركسية والباسها عراقي وسروال ومركوب، والاهم من ذلك في يدها ابريق وسبحة، اذ حاول أن تكون متدينة ومؤمنة) وهو حديث غريب لا علاقة له بالماركسية ، كما يقول الكاتب (فقد أقام الحزب الشيوعي السوداني تماهيا بين الشيوعية والماركسية، فصارت التحليلات الاقتصادية تسمى تفسيرا ماركسيا رغم انها غير مغطية نظريا وفكريا بأي أسس من الفلسفة أو النظرية الماركسية عدا مراحل التاريخ الخمس للتطور المجتمعي البشري، يضاف إلى ذلك التنظيم اللينيني الستاليني)، وهذا القول لا معنى له اذ ما معنى (التماهي بين الشيوعية والماركسية؟؟)، وماهو فهم د. حيدر للماركسية؟؟، فاي انسان مبتدئ في دراسة الماركسية يعلم: أن جوهرها دراسة الواقع ونقد الاوضاع الاقتصادية الرأسمالية الجائرة التي تكرس الاستغلال والتوزيع غير العادل للثروة وكل اشكال الاضطهاد الطبقي والاثني والقومي والجنسي. اما ما أشار اليه د. حيدر حول اللوحة الخماسية لتطور المجتمعات البشرية فهذا فهم خاطئ لا علاقة له بماركس الذي كان يركز على خصوصية ودراسة كل مجتمع بطريقة مستقلة وعدم تعميم اللوحة الخماسية الخاصة بالتاريخ الاوربي لكل المجتمعات البشرية، حتى أن ماركس أشار في مؤلفه (مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي) إلى نمط سادس يختلف عن اللوحة الخماسية اطلق عليه نمط الانتاج الآسيوي مثال (الهند، الصين، مصر.)، وقد تحدثت عن ذلك بتفصيل في دراسة انجزتها عن (الستالينية وتجربة الحزب الشيوعي السوداني)، ويمكن أن يرجع لها د. حيدر في موقع الميدان على الانترنت أو موقع تاج السر عثمان في الحوار المتمدن). اضافة لدراسات انجزها تاج السر عثمان عن خصوصية وسمات تكوينات ماقبل الرأسمالية في السودان والتي صدرت في مؤلفات مثل: تاريخ النوبة الاجتماعي 2003، لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي 2004م، تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي 2005م، التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي 2006م، اضافة لدراسات أخرى انجزها ماركسيون سودانيون، فجوهر الماركسية دراسة المجتمع السوداني بذهن مفتوح من اجل استيعاب واقعه وخصائصه وتغييره.

   وخلاصة ما اورده د. حيدر بأنه هجوم غير مؤسس منهجيا وعلميا على الحزب الشيوعي، واذا كان هناك من فائدة لما يسمى (بالصحوة الماركسية) فقد كشفت مدى التصور الخاطئ لد. حيدر للماركسية ولتجربة الحزب الشيوعي السوداني ،كما كشفت مدى نظرته السلبية المسبقة للحزب الشيوعي، وانطبق عليه قول الشاعر المتنبئ :

ومن يك ذا فم مر مريض

يجد مرا به الماء الزلالا.

  هذا فضلا أن الحزب الشيوعي السوداني منذ تأسيسه عام 1946م، عاش اكثر من 50 عاما في ظروف عمل سري لم تكن مساعدة على تطوره النظري والفكري، وتوسيع نفوذه السياسي والجماهيري والديمقراطية داخله، ذلك ان الديمقراطية لا تزدهر في جو تصادر فيه الحريات الديمقراطية.

 مع تحياتي وتقديري للصديق د. حيدر ابراهيم علي، وخلاف الرأي لايفسد للود قضية.

 فهرس الأخبار