وداعا زين العابدين صديق البشير

تاج السر عثمان

الأيام  27-1-2008

عابدين صديقكان ذلك عصر السبت، الأول من ديسمبر 2007م، ولحظة دخولي المنزل بعد يوم عمل شاق عندما وصلتني مكالمة من ابن أخيه صديق الذي كان ملازما له بالمستشفي، تفيد بان زين العابدين قد فارق دنيانا، كان خبرا مفجعا مثلما كان مؤلما، فقد كنت معه قبل ساعات معدودات، واطمأننت على صحته وتحادثنا حول قضايا مختلفة، ثم ودعته، ولم أكن ادري انها المقابلة الأخيرة، لم انم ذلك الليل بعد انتهاء مراسم الدفن وإلقاء النظرة الأخيرة على الفقيد.

    رغم أن الراحل المقيم تربطني به صلة القرابة الشديدة، إلا اننى لم أتعرف عليه عن كثب إلا في صيف عام 1970 م،.فقد نشأ بقرية امبكول في محافظة مروى بالولاية الشمالية التى تلقى تعليمه بها: في امبكول الأولية وكورتى الوسطى والثانوي في مروى الثانوية، أما نشأتي فقد كانت في عطبرة حيث ولدت في حى امبكول بعطبرة، وتلقيت تعليمي بها حتى المرحلة الثانوية بها.

     تعرفت عليه عندما كان قادما ومعه رهط كريم طلاب مدرسة مروى الثانوية، كان ذلك في معسكر الشباب الذي أقيم في مدرسة عطبرة الثانوية وبعدها انتقل إلى مدرسة الدامر الثانوية، اذكر أن المعسكر نظم ندوة في فناء مكتبة الخدمات الاجتماعية التابعة للسكة الحديد والتي تقع في حي السودنة في عطبرة، كان الجو عليلا في فناء المكتبة المخضر. في تلك الندوة صعد زين العابدين صديق المنبر ليقدم لنا تجربة طلائع النخيل في مروى الثانوية والنشاط الذي قاموا به في إنعاش الحياة الثقافية والفنية في قرى الشمالية إضافة لحملات التوعية ومحو الأمية . كما كان عابدين ناشطا في المعسكر واسهم بنشاط في تشييد النصب التذكاري الذي أقيم بمبادرة من اتحاد الشباب السوداني بعطبرة لشهداء الجمعية التشريعية وبناء الفصلين الخامس والسادس في الدامر، بعد تغيير السلم التعليمي وجعل مرحلة الأساس ست سنوات، كما كان ناشطا في العمل الثقافي في المعسكر، وكان من الذين رشحهم المعسكر للمشاركة في معسكر الشباب العرب في الجزائر.بعدها تعرفت عن كثب على الراحل المقيم، وزادت صلتي به في سنوات الدراسة بجامعة الخرطوم وبعد التخرج.

     كان المرحوم هادئا ومتواضعا، واسع الإطلاع، كما كان متابعا للجديد في عالم الكتب، وكان يمتلك مكتبة كبيرة تولاها بالرعاية والتشذيب، ولم يكن يبخل على احد بالكتاب وخاصة إذا كنت من القارئين المواظبين على إرجاع الكتاب بعد الفراغ منه، إطلاع عابدين الواسع جعله واسع الأفق حتى صار قلبه قابلا لكل صورة وصدره مفتوحا للآراء المخالفة، وكان الخلاف معه في الرأي لا يفسد للود قضية. كما زاده الإطلاع الواسع تواضعا وبساطة، فالإنسان كلما ازداد معرفة كلما ازداد تواضعا، كان ابوقراط (ابو الطب) يقول: ليس لي من فضيلة العلم إلا علمي بأنى جاهل، وهذا ما يطلق عليه تواضع ابوقراط.

   كما كان المرحوم صبورا لا يتعجل النتائج ويربط الفكر بالعمل، وهذه كانت من صفاته الثابتة والذين عرفوه في الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم،كانوا يلاحظون أنه كان متابعا لتنفيذ الواجبات وناشطا في إصدار صحيفة مساء الخير ومنظما لندوات الجبهة الديمقراطية ولمعارضها. وهذه صفة نادرة ان تجد المنظم المتابع لتنفيذ الواجبات والقرارات.

 كما كان ضد العشوائية في العمل، كان يخطط سواء كان ذلك في النشاط السياسي أو في حياته الخاصة، كان يضع الخطط ويتابع تنفيذها في صبر ومثابرة، بعيدا عن الضجيج والإثارة والأضواء.

    عابدين من الذين أسهموا في بناء حركة الطلاب الديمقراطية، كان مسئولا عن مكتب الجامعات والمعاهد العليا في الحزب الشيوعي منذ منتصف السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي  وارسي تقاليد عمل سليمة أسهمت في تربية وتأهيل أجيال من الطلاب الشيوعيين والديمقراطيين وسيظل محفورا في ذاكرة الذين عملوا معه في تلك الفترة، ومعلوم أن العمل وسط الطلبة شاق و يحتاج إلى صبر وخاصة ان المجال متحرك ومتغير، ويحتاج لإعادة التأهيل والتكرار والتدريب باستمرار، إضافة للحركة التي تفرضها سرعة الأحداث.وكان داره مفتوحا باستمرار وخاصة في تلك الفترة التي شهدت أحداث انتفاضة مارس – ابريل 1985 وما أعقبها من أحداث، فتجد عابدين ناشطا ومخططا في انتخابات الخريجين ومشاركا في اللجان التحضيرية للمؤتمر الخامس الذي قررت عقده اللجنة المركزية في دورة أكتوبر 1985، كان في لجنة أعداد مشروع اللائحة، وساهم بنشاط في اللجنة التي فرغت من إعداد المشروع ورفعته للجنة المركزية، وبعد انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي فتحت اللجنة المركزية مناقشة عامة حول المتغيرات المحلية والعالمية، وساهم عابدين في اللجنة التي وضعت الإطار العام للمناقشة العامة والذي ناقشته وأجازته اللجنة المركزية في دورتها في ديسمبر 1997 م، وكونت اللجنة المركزية لجان لإعداد مشروع البرنامج ومشروع الدستور ولجنة لتسيير المناقشة العامة من مهامها إعداد التلخيص الختامي للمناقشة،تمهيدا للمؤتمر الخامس للحزب، ومرة أخرى اشترك عابدين في لجنة الدستور التي أنجزت مشروع الدستور ورفعته للجنة المركزية، كما تم انتخابه في اللجنة التحضيرية للمؤتمر الخامس والذي كان مشاركا فيها بجهده وفكره وماله حتى اللحظات الأخيرة قبل وفاته.

     وفي حياته العملية في المؤسسة العامة لتجارة السكر واللاجئين يحفظ له زملاءه الذين عاصروه نزاهته وحسن معشره وصلابته في قول الحق ودفاعه عن مبادئه.

    وبعد فصله من العمل في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، لم تركب عابدين الحيرة بل اقتحم بجسارته وسعة افقه ميدان العمل الخاص حتى أصبح ناجحا فيه، وكان مفيدا لزملائه في العمل ولأهله ولأسرته وأصدقائه وكل من احتاج إليه.

 كان عابدين مهتما بمواصلة ذوى القربي والأرحام لا يسمع بمريضا من أهله في المستشفي إلا وخف لزيارته، وكان مواصلا في الأفراح والاتراح .

    كما كان مشاركا بجهده وفكره وماله في الرابطة الاجتماعية لأبناء امبكول واسهم في بناء القرية النموذجية بديلا عن القرية القديمة التى اكتسحها فيضان 1998، كما ساهم مع الخيرين من أبناء المنطقة في توفير الكتب للمدارس في المنطقة، وفي إرسال الدواء، وفي إنارة المنطقة وتوفير خدمات المياه، وكان مشاركا في كل أنشطة الرابطة، وعاملا لفترة طويلة في لجنتها وفي مجلس امنائها.

    لقد رحل الفقيد بهدوء، مثله مثل كل الأشياء الجميلة التي ترحل في هدوء، وتخلف وراءها ذكرى وسيرة عطرة جديرة بأن نخلدها للأجيال القادمة، وان يكن الراحل قد فارق دنيانا بجسده ولكن روحه ستظل دائما تحفزنا لمواصلة عمل الخير وستظل ذكراه خالدة إلى الأبد.

  الا رحم الله الفقيد والهم اله وذويه الصبر والسلوان والعزاء لأسرته وزوجته وأبنائه وأصدقائه ولرابطة أبناء امبكول وكل عارفي فضله.

 فهرس الأخبار