المنهج الديالكتيكي
تاج السر عثمان alsirbabo@yahoo.co.uk
معلوم أن المنهج الديالكتيكي ظهر إلى جانب الفلسفة الغربية في القرن الثامن عشر والذي بلغ ذروته عند هيغل الذي عاد إلى الديالكتيك كأعلى شكل من اشكال التفكير ، ومعلوم ايضا أن الفلاسفة اليونانيين القدماء (زينون الآيلي، هبراقليطس، ..الخ) كانوا ديالكتيكيين تلقائيا وبالفطرة، وكان ارسطو اكثر العقول بينهم شمولا، وقد بحث هيغل بالفعل الاشكال الأكثر جوهرية للتفكير الديالكتيكي.
يقول انجلز ( بالنسبة للديالكتيك الذي يتسم بكونه يتناول الأشياء وانعكاساتها الفكرية في علاقاتها المتبادلة وفي تشابكها وفي حركتها وفي نشوئها وزوالها، فإن مثل العمليات السابق ذكرها لاتفعل غير أن تؤكد طريقة في البحث)( انجلز: انتي دوهرينغ، دار التقدم موسكو 1984، ص 29).
ومعلوم ان الماركسية طورت المنهج الديالكتيكي عند هيغل إلى المنهج المادي الديالكتيكي. ومعروف ايضا أن الماركسية لم تخترع منهجا جديدا خاصا بها تستخدمه، يختلف اختلافا تاما عن المنهج المستخدم والمتفق عليه والمألوف في العلوم، ولكن مافعلته الماركسية هو أنها طورت وطبقت المنهج العلمي بطريقة شاملة تتضمن استخلاص نتائج عن المجتمع والانسان.
لقد انتزعت الستالينية من تعاليم ماركس كل روح نقدي علمي، ومعلوم ان الماركسية منهج بحث وتحليل ، والديالكتيك الماركسي خلال فترة الجمود لم يبق اذن وسيلة لتحليل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية التي يعجز عن تفهمها المنطق الشكلي، بل اصبح مادة لدراسات تقليدية مدرسية تنقب عن اصوله وانواعه وميادين استعماله ( انظر على سبيل المثال الكتاب المدرسي السوفيتي لافانسيف: أسس الفلسفة الماركسية، دار الفارابي 1984م).
لقد ابتذلت الكتب المدرسية تقديم الديالكتيك أو المنهج المادي الديالكتيكي سواء اكان ذلك في الفهم المبسط للديالكتيك باعتباره المثلث الهيغلي : الموضوع- نقيض الموضوع- التركيب، أم في محاولة تقديمه بطريقة تتضمن عقائد (Dogmas ) قاطعة لا أساس لها.
ومعلوم ان ماركس وانجلز لم يقدما في اى مكان بيانا منهجيا كاملا عن الديالكتيك المادي، كل ما فعلاه هو أن قدما وجهات نظر فلسفية اخرى ووضعا المبادئ الموجهة لتطوير فلسفتيهما.
يقول لينين ( ان كل من قرأ تعريف ووصف المنهج الديالكتيكي كما قدمه انجلز، سيرى انه حتى المثلثات الهيغلية لم ترد عنها اشارة واحدة، وكل ما يبلغه هو أن التطور الاجتماعي، انما هو عملية تطور طبيعية- تاريخية، وما أسماه ماركس وانجلز بالمنهج الديالكتيكي، لا شئ اكثر أو أقل من المنهج العلمي في علم الاجتماع، والذي يتكون من النظر إلى المجتمع باعتباره كائنا عضويا حيا، في حالة دائمة من التطور، تتطلب دراسته تحليلا موضوعيا لعلاقات الانتاج التي تؤلف التشكيلة الاجتماعية المعطاة وفحص قوانين ادائها لوظيفتها وتطورها)(لينين: من هم اصدقاء الشعب وكيف يحاربون الاشتراكيين الديمقراطيين).
وبعبارة اخرى اورد لينين ( اكثر ماهو اساسي في الماركسية هو التحليل الملموس للواقع الملموس) او بعبارة اخرى ايضا (ان الديالكتيك الحق هو التحليل التفصيلي الدقيق لعملية ما).
المنطق الشكلي والمنطق الديالكتيكي:
المنطق الشكلي (الصوري) يشمل مبدأ الاتساق أو عدم التناقض، واذا اردنا تحديد العلاقة بين المنطق الشكلي والمنطق الديالكتيكي، فيمكن القول: ان المنطق الديالكتيكي يتضمن المنطق الشكلي ، فكلا المنطقين الشكلي والديالكتيكي يساهمان في تقرير واكتشاف الحقيقة، ويساعدان العلماء على ذلك.
والمنطق الشكلي يستند ويتمشى مع مبدأ الاتساق وهو يتقبل أشد صور المنطق الشكلي صرامة في اتساق القضايا، فان نقول ( ان الكائن العضوي هو نفسه وليس نفسه) فهذا تناقض منطقي ، أما أن تقول( أنه في كل لحظة يتمثل مادة جديدة ويخرج مادة قديمة)، فان هذا تفسير اكثر دقة، ولايحوي تناقضا منطقيا ايا كان. أى ان الديالكتيك لايسمح بالتناقض المنطقي، ولكنه يتخلص منه، ان الديالكتيك الماركسي لايسمح بالتناقض المنطقي ، ولاهو يقدم قضايا لا يمكن اختبارها، لكنه على العكس تماما وبدقة، فهو يقدم قضايا عملية يمكن اختبارها، كما يقول الفيلسوف الماركسي موريس كورنفورث في مؤلفه (دفاعا عن الماركسية).
المنهج وتطور العلوم:
المنهج الديالكتيكي يتعمق ويتطور بتقدم التحليل المنطقي والرياضي والاكتشافات العلمية والانجازات التقنية، فالمنهج الديالكتيكي يتطور ويتكامل مع تطور العلوم نفسها، وبالتالي، فانه يفقد جوانب قديمة ويكتسب اخرى جديدة.
وقد يحدث أن الكثير من النتائج العلمية التي وصل اليها علماء يأخذون بالمنهج الديالكتيكي، ان تصبح غير دقيقة وتترك بالتالي المكان لغيرها من نتائج البحث.
اما المنهج العلمي نفسه، فلم يترك مكانه لمنهج آخر، وانما هو قائم ويتطور ويتعمق بتطور العلوم والمعرفة والممارسة التي تغني وتخصّب المنهج.