تعقيب على محاضرة د. فاروق محمد إبراهيم وملاحظات حول رسالته للمؤتمر الخامس للحزب الشيوعي

تاج السر عثمان

الأيام 17-2-2008

    أقام د. فاروق محمد إبراهيم محاضرة بتاريخ 6/2/2008م بمركز الخاتم عدلان بعنوان رسالة إلى المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني خلص فيها إلى ضرورة إعادة الاعتبار إلى مؤتمر الجريف الذي قرر تحويل الحزب الشيوعي إلى حزب اشتراكي جماهيري .  الجدير بالذكر أنه عند ما فتحت اللجنة المركزية المناقشة العامة حول متغيرات العصر،  دعت قيادة الحزب الشيوعي د. فاروق للمساهمة في المناقشة العامة،  وكتب ورقة،  نشرت في مجلة قضايا سودانية التي كان يصدرها الحزب الشيوعي في الخارج،  العدد الرابع،  ابريل 1994م،  وعقب عليها الأستاذ التيجاني الطيب في العدد نفسه،  كما تم تلخيص وجهة نظر د.فاروق ضمن التلخيص الختامي للمناقشة العامة والذي عمم للأعضاء في خمس كتيبات ضمن وثائق المؤتمر الخامس،  رغم ذلك رحبت بدعوة د. فاروق محمد إبراهيم إلى لحضور المحاضرة بمركز الخاتم عدلان للمناقشة والتعقيب .

  أستاذنا الجليل د.فاروق محمد إبراهيم من الذين التحقوا بالحزب الشيوعي السوداني في سنى تأسيسه الأولى، كما ذكر في سيرته الذاتية التي قدمها في مجلة قضايا سودانية العدد الرابع، ابريل 1994م،  كما شارك في تأسيس رابطة الطلبة الشيوعيين في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي،  وكان السكرتير السياسي لرابطة الطلبة الشيوعيين بجامعة الخرطوم في الفترة : 1950 – 1955 م،  وكان عضوا باللجنة المركزية للحزب حتى عام 1970م، ثم خرج من الحزب في انقسام 1970،  وعاد إلى الحزب عقب انتفاضة ابريل في العام 1986م،  وحاليا خارج الحزب الشيوعي بإرادته. وهو من المثقفين السودانيين المرموقين، وله مساهمات قيمة في الاقتصاد الزراعي،  وكان من الذين يرسمون سياسة الحزب الشيوعي كما أشار الشهيد عبد الخالق محجوب،  اذكر أنني تابعت مساجلاته في الصحف السودانية حول الإصلاح الزراعي مع د. شريف الدشوني في الستينيات من القرن الماضي،  كما أن د.فاروق ناشط في العمل الثقافي والعمل العام،  ويفرض عليك احترامه لنزاهته ودفاعه عن مبادئه وفيما يعتقد أنه الحق،  وخلاف الرأي عنده لا يفسد للود قضية، ،  وهو عالم في مجاله،  ولا يبخل في تقديم المساعدات لكل من يطلبها منه،  كما انه ابن محمد إبراهيم النور ذلك المثقف السوداني الأصيل الذي كانت له مقالات ودراسات في مجلتى النهضة السودانية والفجر التي كانت تصدر في الثلاثينيات من القرن  الماضي.إضافة لمقاومة د.فاروق لعسف نظام الإنقاذ والذي تعرض للسجن والتعذيب والقهر والنفي والفصل من العمل،  كما أوضح في مذكرته التي نشرها في صحيفة الأيام حول شروط المصالحة الوطنية والتعافي، وبالتالي،  فان تاريخه مشرف في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما سجل د.فاروق محمد إبراهيم مذكراته عن تأسيس الحزب الشيوعي بمناسبة العيد الأربعين لتأسيس الحزب الشيوعي السوداني والتي نشرت في مجلة الشيوعي (المجلة الفكرية للجنة المركزية)، الأعداد: 150، 152،  153،1954 م،  مع مذكرات مؤسسين آخرين هم : التيجاني الطيب،  الجزولي سعيد،  إبراهيم زكريا، د.خالدة زاهر،  عباس على،  صلاح مازرى،.. الخ.

   ود. فاروق من المتحمسين لفكرة تحويل الحزب الشيوعي إلى حزب اشتراكي واسع، وهى ليست فكرة جديدة، طرحها الشهيد عبد الخالق محجوب عام 1956،  تكوين حزب واسع للعمال والمزارعين،  ودارت مناقشات حولها في صفحات مجلة الشيوعي والتي قطعها انقلاب 17/ نوفمبر/ 1958 م،  وبعد أكتوبر 1964،  أصدرت اللجنة المركزية وثيقة (مشروع تحول عميق) والتي هدفت إلى تحقيق شعار المؤتمر الثالث للحزب لتحويل الحزب الشيوعي إلى قوة اجتماعية كبرى. وجاءت فكرة الحزب الاشتراكي بعد حل الحزب الشيوعي في نوفمبر 1965م، في مؤتمر الجريف  التداولي عام 1966 م والذي قرر تشكيل الحزب الاشتراكي باندماج الحزب الشيوعي مع قوى اشتراكية سودانية أخرى، وتراجعت اللجنة المركزية للحزب  في دورتها التي عقدت في العام نفسه عن الفكرة،  بأغلبية أعضائها،  عدا عضوين فقط هما د.فاروق محمد إبراهيم و الأمين محمد الأمين.ونشرت مداولات اجتماع اللجنة المركزية على الأعضاء في مجلة الشيوعي،  العدد 127،  نوفمبر 1966م.

   كثيرون، كما أشار الأستاذ طه إبراهيم المحامى في تعقيبه على محاضرة د.فاروق، فسروا أسباب هذا التراجع عن القرار بعوامل خارجية  مثل: اقتناع عبد الخالق محجوب برأى السوفيت الذين كانوا معارضين لحل الحزب الشيوعي ودمجه مع قوى اشتراكية أخرى، ولكن ذلك التفسير أحادى الجانب ويتجاهل عاملاً داخلياً حاسماً: يتمثل في ضغط فروع وقواعد الحزب الشيوعي التي كانت رافضة لقرار حل الحزب الشيوعي ودمجه مع قوى اشتراكية أخرى، وفي ذهنها التجربة السلبية لحل الحزب الشيوعي المصري عام 1966م الذي ذاب في تنظيم السلطة( الاتحاد الاشتراكي العربي)، ويتجاهل أيضا قرار أغلبية اللجنة المركزية التي عبرت عن رأى قواعد الحزب برفض حل الحزب الشيوعي،  وإذا كان الأمر كذلك (الخضوع لرأى السوفيت)، لماذا لم تتمسك اللجنة المركزية والمؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي الذي انعقد في أغسطس 1970م،  برأى السوفيت حول انقلاب 25 مايو/1969 م، بدعمه لأنه نظام ديمقراطي ثوري؟، كما كان يرى السوفيت، بل تمسكت، أغلبية اللجنة المركزية وأغلبية المؤتمر التداولي للكادر باستقلال الحزب الشيوعي ورفض حله ودمجه في حزب السلطة المقترح (الاتحاد الاشتراكي)، رغم دعم السوفيت للنظام في تلك الفترة،  بل كانت هناك خلافات بين الحزبين السوداني والسوفيتي لخصتها دورة اللجنة المركزية في يوليو 1977م في النقاط التالية:

* قيادة الطبقة العاملة للثورة الوطنية الديمقراطية .

* دور الديمقراطيين الثوريين في منطقة التحرر الوطني.

* الموقف من الفكر اليميني التصفوى في حزبنا،  والانقسام الذي ترتب عليه في سبتمبر 1970م.

   وهذا يعكس أن مواقف الحزب الشيوعي السوداني لم تكن متطابقة مع الحزب السوفيتي حول هذه القضايا،  اى أن الحزب لم يكن منقاداً تابعا للحزب الشيوعي السوفيتي،  هذا فضلا عن موقفه الرافض لتقييم السوفيت لنظام عبود (17/نوفمبر/1958)، باعتباره نظاماً وطنياً، ورفض عبد الخالق لذلك باعتبار أن حزبه هو الذي يقرر وطنية النظام أو عدمها، وليس السوفيت.

   هذا فضلا عن السؤال الذي طرح في المحاضرة من ضمن المناقشين لماذا لم يستمر الحزب الاشتراكي بعد انسحاب الحزب الشيوعي؟، ولماذا يرتبط قيام الحزب الاشتراكي الواسع بحل الحزب الشيوعي،  فمع وجود الحزب الشيوعي المستقل لماذا لم يبنى د.فاروق الحزب الاشتراكي المقترح؟ فالساحة السياسية واسعة ولا يحتكرها الحزب الشيوعي، إضافة إلى فشل تجارب الحزب الواحد في العالمين العربي والإفريقي والتي كانت تقوم على الوصاية على الجماهير كما عبر الأستاذ نبيل أديب المحامى، وفشل تجربة الحزب الواحد في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا .

  وبعد تجارب انقلاب 25 مايو1969م وانقلاب 19 يوليو 1971 م،  توصل الحزب الشيوعي السوداني في دورة اللجنة المركزية في أغسطس 1977م بعنوان( الديمقراطية مفتاح الحل للازمة السياسية)،  إلى رفض الحزب الواحد وضرورة الديمقراطية والتعددية والوصول للنظام الوطني الديمقراطي بطريق ديمقراطي جماهيري تعددي، وتلك كانت من أهم الدروس التي استخلصها الحزب الشيوعي من تلك التجارب.

  إضافة إلى أن الموضوع ليس بهذه البساطة،  فمجرد إعلان الحزب الواسع وتغيير اسم الحزب الشيوعي سوف يتحول تلقائيا إلى قوة اجتماعية كبرى، وان الناس سوف يندفعون زرافاتاً ووحداناً للانضمام إليه، ولن تلاحقه تهمة الإلحاد والزندقة في الصراع السياسي علما بأنها تهمة لحقت حتى بمفكرين إسلاميين غير شيوعيين مثل الأستاذ محمود محمد طه ود. حسن الترابي!!!.

  ولكن الحزب الشيوعي يتحول إلى قوة اجتماعية كبرى بدراسة واقع المجتمع السوداني وفهمه واستيعابه والعمل على التأثير فيه نتيجة لتلك الدراسة كما أشار المؤتمر الرابع للحزب،  كما يتحول إلى قوة اجتماعية كبرى بالارتباط بالجماهير والدفاع عن مصالحها في القطاعين الحديث والتقليدي ( المناطق المهمشة)، والارتباط بالتنظيمات الجماهيرية الديمقراطية والنقابية والإصلاحية والتواجد حيث تتواجد الجماهير والنضال معها وليس بالنيابة عنها في الارتقاء بمستواها المعيشي والسياسي والثقافي،  وهى عملية شاقة .

    مع شكري وتقديري واحترامي لد.فاروق محمد إبراهيم ولمركز الخاتم عدلان على دعوتهم.

 فهرس الأخبار