فينيق
الرجل الشريف
مجدي الجزولي m_elgizouli@yahoo.co.uk
من أقوال عبد الخالق محجوب التي نطقت بالتاريخ، ليس من باب استرجاع الماضي، وإنما كقذف إلى المستقبل، قوله في محكمة الشيوعية الكبرى، أنه إنما يقدم الوعي لشعبه فهذه مهنته وهذا عمله، وتعبيره الأخاذ في كلمته بعنوان (كيف أصبحت شيوعيا): "الرجل الشريف يصرع الفكرة السياسية بالفكرة السياسية ويعارض فكرة معينة بالحجة والمنطق". كل عبارة أصبحت لوحدها كتابا بحمولة التاريخ التي تنطق بها عملا وتضحية وفداء، وأهم من كل ذلك رؤية وعقلا؛ الرؤية التي تتيح للأمل في المستقبل كوة وتصنع له مفتاحا، والعقل الذي به يدبر الخلق أمرهم ويصنعون من مادة حياتهم المنهكة حياة أخرى يرثها اللاحقون. وفي كل أصاب هذا "الرجل الشريف" التوفيق.
معادنا بعد أيام أول مؤتمر للحزب الشيوعي السوداني بعد سنين طويلة أصاب فيها الحزب ما أصابه كغيره من منارات الحياة المدنية والحديثة في بلادنا فهو في صيرورة مثلها يعاني ويتأزم لا وقاية له إلا عقله الجماعي. هذا العقل الجماعي هو ما نأمل فيه أن يخرج من حرث الحزب، وقد طال، حصادا لا ينفعه خاصة وإنما يعم بسن مقولات للحياة العامة في بلادنا تجدد عهد هذا الشهيد والوعي، وتشرح للجمهور مخارج من الأزمة ذات المخالب تفارق الخيارات المتاحة وقد تكلست وتناغمت على الفساد.
مثالنا في هذا الدرب فتح الحزب الشيوعي في المجال العام وهو يتصدى لمعركة التحرر من الاستعمار وقفزاته الجبارة إلى المستقبل وهو يناضل من أجل قضايا الاستقلال، كل ذلك بماركسية حسنة ذكية أدواتها حجج العقل لا سذاجة الاجترار. المؤتمر بهذا المعنى محطة نتوقف عندها استعدادا لانطلاق لا يكون إلا بالمثابرة على التعلم والتعلم والتعلم كما قال لينين.
هذا التعلم هو منتهى القدرات وأهمها، وهو ما لا يصح إلا بإحسان الاستعداد، أولا ببث روح فعال في مقولة ما أشد ما لاكتها الألسن التقدمية دون عبرة: النقد والنقد الذاتي؛ وثانيا بدرس التاريخ، ليس باعتباره ماضيا يستعاد أو عهدا يسترجع فذلك غرض خائب، وإنما، بعبارة عبد الخالق، باعتباره مستودع دروس وعبر؛ نحن لا يأسرنا الماضي ولا يكبلنا وإنما يحررنا إذ نعقل اتجاهاته وتناقضاته ونحدد بالإرادة موقعا فيه منه نعمل عملنا، بل نأخذه بالقرون، فالتاريخ بقدر ما يملي علينا كذلك نبذل جهدنا أن ندمغ فيه بصناعتنا، لسنا ضحاياه وإنما فاعليه. إن تفاؤل الإرادة هو الروح الوثاب الذي يحيل تشاؤم الفكر إلى عمل ننير به دربنا وجماهير بلادنا نحو الديموقراطية الحقة، بل قل الاشتراكية الوضاءة!
12/01/09