فينيق
عاش نضال الشعب الفلسطيني
مجدي الجزولي m_elgizouli@yahoo.co.uk
بين اليوم وبداية الهجوم الإسرائيلي على غزة بلغ عدد شهداء القطاع 500 أو يزيد، جلهم من النساء والأطفال، هذا ولم يثب القادة العرب إلى رشد سياسي ينقذون به أمنهم الاقليمي وقد أصبح دالة للأمن الإسرائيلي، بل اشتدت المعارضة الليبرالية البائسة للمقاومة الفلسطينية بحجة أنها جنت على نفسها وشعبها، ذات الحجة التي شهرها الليبراليون العرب في وجه المقاومة اللبنانية إبان الحرب الأخيرة على لبنان.
في الحالتين، الحرب على لبنان والحرب على غزة، كما كان الأمر في العراق، اختبار لحصافة اليسار العربي، تمييز الحجة السياسية والاستراتيجية وتعريف الحليف من العدو، فهو مواجه بالانحدار إلى الفخ الأميركي الذي يصور الصراع في الشرق الأوسط ككل وفي داخل البلدان العربية على أنه صراع بين معسكر "الأصولية الإسلامية" وبين القوى الليبرالية، ومن ثم لا خيار سوى القبول بالحلف الأميركي والليبرالية العربية في مواجهة الخطر الأصولي بما في ذلك الإذعان لواقع الاستعمار الإسرائيلي؛ أو التدهور إلى الرضى بنصرة الإسلاميين في مواجهة الإمبريالية الأميركية والاستعمار الإسرائيلي وفق منطق "عدو العدو صديق".
لكن ظني أن التاريخ يلقننا دروسا أصفى، فالإسلام السياسي عرض للصراع الاجتماعي في البلدان العربية وليس أصلا فيه، ما نمى واستقوى سوى بتدهور اليسار ومشروعه إلى الحال القائم، إما الطفولية أو الأعراف الليبرالية. في هذا الشأن تفيد عبارة فيلسوف مدرسة فرانكفورت، ماكس هوركهايمر: "من لا يرضيه انتقاد الرأسمالية فليستقبل الفاشية الجديدة".
الواقع أن نمو التيارات الفاشية، بما في ذلك الأصولية الدينية، ردة فعل "شعبوية" على المحنة الرأسمالية، لكنها تكتفي برمز ظاهر ملوثة الوعي ووجهة الصراع؛ في ألمانيا الثلاثينات، كما في فرنسا التسعينات من القرن الماضي، نمت الفاشية في تربة الاحتجاج على الاستغلال الرأسمالي فدونك الكساد العظيم في الثلاثينات وأزمة البطالة الناجمة عن سياسات الليبرالية الجديدة في التسعينات، لكن جعلت عدوها الظاهر "اليهود"، رمز الثراء المالي في المخيلة الشعبية دون أن تخدش ولو خدشا العدو الحقيقي وهو النظام الرأسمالي. بذات القدر يقرأ صعود التيارات الإسلامية منذ منتصف السبعينات في محتوى أزمة التنمية الرأسمالية ثم غلبة سياسات الليبرالية الجديدة، فباطنها المحرك هو الاحتجاج على الطغيان الرأسمالي، لكن، كما الفاشية الأوروبية، تكتفي بأعداء ظاهرين هم في الخيال الأصولي الإسلامي أهل "الجاهلية" بعبارة سيد قطب، أو كما قال في "معالم في الطريق": إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية.. لا بد من بعث الأمة الإسلامية التي واراها ركام التصورات وركام الأوضاع وركام الأنظمة، التي لا صلة لها بالإسلام، ولا بالمنهج الإسلامي.. وإن كانت ما تزال تزعم أنها قائمة فيما يسمي بالعالم الإسلامي". إذن، فهي كما الفاشية تحيد بالصراع الاجتماعي عن خطه الفاصل ليصبح عرضا طائشا لنفسه، أو شبه صراع، هذا في غياب النجدة اليسارية لتمييز العدو الرأسمالي وسيرته وطرح الخطة الحسنة لمقاومته.
الحق أن بين الأصولية الدينية والليبرالية حبلا من مسد، الأولى تنشأ في الرحم الرأسمالي للثانية عرضا لها وسمة، هذا في غياب صاحب الوقت، عدو الرأسمالية والاستعمار والإمبريالية، على هدى من أمره.
05/01/08