صاعد وهابط: الحزب الشيوعي والفريضة الغائبة
مجدي الجزولي m_elgizouli@yahoo.co.uk
كتب الزميل الشيوعي والصديق أحمد الحاج كلمة جيدة السبك ينبه فيها بعبارات منتقاة من خطر أن يتدهور الحزب الشيوعي إلى "طائفة" سودانية بدلا عن تنظيم طوعي لقوم ارتضوا أهدافا سياسية مشتركة صاغوها من اجتماعهم الفكري ويعملون جهدهم قصد الوصول إليها بخطوات يتدارسونها درس المعتبر والمتعلم من نضال الجماهير وخطة التاريخ. وقد قدم أحمد أكثر من مثال لتناقضات في خط الحزب السياسي وعمله وثق لها بتواريخ وبيانات صادرة من أعلى هيئات الحزب، وتصريحات من هرم قيادته، كما قدم نقدا للمؤتمر الخامس ومخرجاته من حيث تجديد القيادة الحزبية وترتيب الصراع الداخلي أن يتطور ويخرج ثمارا. وهو في ذلك منفذ لنصيحة الحزب المثبتة في دستوره ووصيته لأعضائه ودرسه الأكبر من حصيلة ضربه في أرض "الثورة السودانية": النقد والنقد الذاتي، بل باعث لخير الماركسية أينما أتت أكلا، إلا ربما في التوابيت السوفييتية، وهي لا تصح سوى بآلة نقد شرس وصريح، وغير ذلك كما اختار في عبارته "طائفية" سمجة.
اتفقت مع مقولات أحمد أم اختلفت لا بد لك على الأقل أن تختبرها وتجعل لها في العقل الناقد ميزانا، الأمر الذي لم يكترث له مطففون اختلقوا في زحمة الانفعال بفتوى محمد عبد الكريم علاقة فاسدة بين "نقد" أحمد لعمل الحزب وتسفيه محمد عبد الكريم للحزب جملة وتكفيره، وهو ضرب تحت الحزام لا يليق بقيادة تريد لاجتماع مناضلين عقدا وتنشئة، دع عنك تعزيزا وعضدا. بهذا الرابط المتهافت أراد قياديون مساواة "النقد"، وهو دأب شيوعي، بتكفير الحزب، وهو عرض فاشي لحمى اجتماعية حري بالثوري درسها والاعتبار في "جذورها"، هذا فوق "خلط الأوراق والمفاهيم" في عبارة تاج السر، فأي خلط أشنع وأسوأ نية من مساواة زملاء الحزب بزمرة مكفريه.
كانت الحجة الثانية المضادة لمقولات أحمد ضم انتقاداته إلى تاريخ منقح من الانقسامات عن الحزب الشيوعي أصبح فزاعة ترفع في وجه كل من يرى غير رأي تاج السر عثمان، أو حتى يريد لخط مركز الحزب واجب الاتباع في دستوره تماسكا واتساقا. إن الخلاف حول الخط السياسي للحزب هو خلاف صحي، لا شك، والخلاف حول مخرجات المؤتمر ومنجزاته خلاف صحي أيضا، وإن كان الاعتبار بالسنن، فقد أطنب عبد الخالق محجوب في انتقاد عمل الحزب وتنظيمه وسلوك أعضائه في جل كتاباته، ومن كان في نفسه بعد شئ من حتى فلينظر بعين القارئ المتدبر لا المعيد المرتل في "قضايا ما بعد المؤتمر"، "إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير"، وكذلك في "الماركسية وقضايا الثورة السودانية"، حيث فصل عبد الخالق وهو يقيم معارضة الحزب لديكتاتورية عبود في انتقاد المنهج الحقوقي الذي انتهجه الحزب في هذا الشأن، رغم أنه أثمر أكتوبر الظافرة، مقترحا تبديله بخطة طبقية لا تعادي الديكتاتورية العسكرية لأنها انتزعت الحريات العامة وكفى، بل ترتب في الفكر "جذورا" لهذا الانتزاع مادته طبيعتها الطبقية والقوى الاجتماعية التي تخدم؛ أمر أراد به عبد الخالق، كما هي سنته، توطين الماركسية في المعارك السياسية وتمكين الناس من نفعها لا حبسها معبأة مبرأة في كراسات التعليم الحزبي "منقحة ومزيدة". ولعل الدرس هنا أن ماركسية وحزبا شيوعيا مثل الذي يهز له تاج السر عثمان الأقلام هو المناقض الموضوعي لبذرة الشيوعي السوداني وطيب حصاده، وإن كان من انحراف فعال عن هذا التراث التحرري فهو صاحبه لا من يبذلون الجهد، عقلا وعملا، لتطوير خط الحزب السياسي وتجديد عزيمته الفكرية أن يقارع حوادث العصر والتاريخ وبعث روحه النقدية الوثابة واسقاط القديم والبالي وخلق الجديد الحي.
شهد الحزب الشيوعي السوداني في تاريخه تحولات جمة، فكرية وتنظيمية، ما كان بغيرها أن ينزل منزلته الحاضرة في ساحة الاجتماع والسياسة السودانية، أولها انقلاب عبد الخالق محجوب على مدرسية معاصريه من الجيل الشيوعي الأول وهو بعد شاب في العشرينات من عمره يريد الماركسية حية تصارع تفسير الوقائع السودانية لا منكفأة على متون وشروح، وثانيها الانتقال الذي دشنه محمد ابراهيم نقد بعد انتكاسة يوليو 1971 بطلب ثورية الديموقراطية السودانية لا تبخيسها السهل ولا الركون إلى شكلياتها المحضة، درسا مستحقا من فعل التاريخ ودربته كما جاء في دورة اللجنة المركزية لعام 1977 "الديموقراطية مفتاح للحل". إذا صح قياس تاج السر فالواجب تصنيف الانقلابين في باب "الانحراف" و"الانقسام" و"التصفية" كون كل منهما تحول عن المعلوم والموروث المستقر إلى مجهول لا يأتي العلم به سوى بالاختبار والتجربة. بهذا المعني ما فارق أحمد سابقات ثورية الحزب بل كان متبع لأحسنها – النقد والنقد والنقد، دون مداراة ودون وجل، ومن كان لا يعرف لفريضة النقد قيمة ولا يجد لها بين "واجبات" عضو الحزب منزلة فقد فارق جوهر الماركسية وأدار لها ظهره لا يدرك منها سوى جرس الكلام.
إذا أجزنا ما سبق وأدرك جمعنا أن سر الحزب المكنون هو هذه الفريضة "الغائبة"، دونها لا يسلم أو يصح بل يتدهور في عبارة أحمد إلى "طائفة" دون شيخ حتى يمكن أن نبحث ونجتهد ما اتجاهات الثورة السودانية هذا القرن وكيف نشق لها الطريق وما سبيل المستقبل. أما ما هو دون ذلك فحرث بيروقراطي طلب الترقيات من مكتب مركزي إلى لجنة مركزية إلى مكتب سياسي درجات وظيفية - التاسعة والسابعة والثانية! مناقض ذلك الموضوعي طريق عبد الخالق محجوب – الفكر أذكاه والنقد أشرسه والتجريب أشجعه.