فينيق
فن المستحيل
مجدي الجزولي m_elgizouli@yahoo.co.uk
من "الفضائل" التي اشتهر بها اليسار ولعه باشتباك الواقع الموضوعي والعوامل الذاتية وانكبابه على تشخيص الشروط الموضوعية، متى تلائم ومتى تعارض، ثم تعيين أوان نضجها وقطف الثمار. لكن قد يتدهور هذا الفن "الثوري" إلى تبخيس دائم للحظة كما تبدو وانتظار ممتد لتاريخ لا "ينضج" أبدا، هو عين الأيديولوجيا الليبرالية إذ تقول بسياسة الممكن لا غير، وتفادي أسوأ الشرور بالقبول بأقلها.
لكن، تظل الفضيلة الكبرى لليسار الجذري الإصرار على احتمال يوتوبيا مندسة خلف الواقع، هي عند أذكى مفكريه ليست التطابق الصوري مع الشروط الموضوعية وإنما تخريبها من باطن وخلق شروط موضوعية جديدة بالفعل. بهذا المعنى ليست اليوتوبيا تصوراً مثالياً لعالم خير تترافق فيه الشياه والذئاب في جوار وادع، وإنما الخيال المتولد عن انغلاق الواقع بحيث يستحيل القبول به كما هو، ويصبح تجاوزه بالجملة هو المخرج الوحيد غض النظر عن ثقل المغامرة، أي تصبح اليوتوبيا ضرورة والمغامرة واجب، والواقع بمختلف قراءاته وشروطه الموضوعية سجن معتم لا خروج منه إلا بتفجيره وإعادة رسم محدداته.
لعل صاحب الدرس الأكبر في هذا المبحث هو لينين عندما قرر أن الانتظار آفة الثورة، وقد أصاب أهلها القنوط واستحالت عندهم إلى لازمة ميكانيكية بين الهندسة الاجتماعية والأسطورة التاريخية، أي فارقت التاريخ المتعين الملموس إلى تاريخ مدرسي يكتبه أصحاب المحاضر الحزبية في انتظار الشروط الموضوعية متى نضجها حتى وهي تصرخ الآن..الآن!
من هذا الباب فإن السياسة الواجبة على اليسار ليست فن الممكن وإنما فن المستحيل مصنوعا من لحمة الواقع، وقد أفرد لهذه أحد أقطابه، آنتونيو غرامشي، فصولا في كتاباته، أكثرها تشويقا ربما محل وصفه لحزب لينين بأصحاب المطلب الأقصى (the maximalists)، فيها ميز بينهم والمتطرفة، فالأوائل لا يرضون بالذي هو أدنى، بل يجتهد جمعهم ألا تتضخم المشاكل الماثلة والواجب حلها اليوم لتصبح الهم الأوحد للعمل الثوري بحيث ينكمش في غمرة الساعة لا يبارحها ويصبح الواقع حائلا دون نشوء المستقبل. أو كما قال: "لينين ورفاقه قد يذهب ريحهم بسبب ذات العواصف التي أثاروها، لكن لن يختفي أتباعهم بالمرة، فهم كثر اليوم، ونار الثورة تشتعل في قلوب وعقول جديدة محيلة إياها إلى مشاعل متقدة من نور جديد ولهب جديد لا يبقي كسلا أو فتورا..الحياة على الدوام ثورة (!)" (صحيفة "غريدو ديل بوبولو"، 28/07/1917).
15/12/08