أسْوَد!

ضيف على الرزنامة مأمون التِّلب  
 

رزنامة الأسبوع 20-26 نوفمبر 2007

الثلاثاء:

الثقة التي نلمحها في عين الناطق ببعض العبارات ذات الدلالات (الشريفة!)، مثل (الفجر الذي انبلج بمجيء الثورة)، أو (شمس الحقيقة التي قهرت الظلام)، أو (لابد من صباح قادم) إلى آخر ما أسمِّيه (التدليل المُخلَّ باللغة)، هي ثقة تبعث على التساؤل المتشكك عمَّن بوَّأ (الصباح) و(النُّور) و(الأبيض)، تحديداً، عرش مملكة العدل والانسانية، بينما دسَّ (الظلامَ) و(السواد) في أقبية القسوة والقبح؟!

في حياة بيتهوفن، في نهاياتها بالذات، ظلَّ الكثير من مجايليه في حيرةٍ من أمره: (لمن يؤلف؟!)، فما من مال يحتاز، أو شهرةٍ يبني، ليستجم تحت أيِّهما فيما تبقى من سنواته القليلة! إنه لن يستمع حتى لإطراء أو تصفيق الجمهور، فقد كان (أطرشاً)، وقال إنه لم يستطع أن يؤلف الموسيقى التي يريد إلا بعد فقدانه السمع، حيث استطاع، أخيراً، أن يستمع لـ (الصمت) في داخله، ومنه تفرَّعت سلالات وأزقة مقطوعاته الأخيرة!

ورغم أن سيمفونيته (التاسعة) حققت مجداً كبيراً، إلا أن آخر مقطوعاته (Grosse Fugue) التي أعقبتها بوقت قصير لم تعجب أحداً، حتى مقرَّبيه، بل اعتبرت نتاج خَرَفِه وطرشه اللذين وصلا حدوداً وقحة في التعامل مع أذواق الجمهور! ومع أنه لم يخالجه، هو نفسه، الشكّ في قبحها، فقد عدَّ هذا القبح بالذات سرُّ نجاحها! روت ذلك الناسخة التي عملت معه في أيامه الأخيرة، قالت، عندما طلب رأيها وقالت له إنها قبيحة، ردَّ بقوله: "أعرف أنها قبيحة ولكن .. أليست جميلة"؟!

هكذا كانت تلك المقطوعة، في ما يبدو، تحدِّياً لمفهوم الجَّمال عنده، فقد كتبها)، كما قال،  من (أحشائه) للبشر القبيحين تحديداً!

يعيدني هذا إلى ما كنت بدأت من حديث عن الثقة المفرطة في عين الناطق بمثل تلك العبارات. فأنا أيضاً علي ثقة من أن الأوان قد آن للتشكيك في أحقية (النهار) و(الشمس) و(البياض) في الانفراد بالقيم الخيِّرة. وكل ما حولنا يقود إلى الاعتقاد الجازم بذلك. بل إن (البياض) نفسه الذي نعتقد فيه، والذي ترتكب باسمه المجازر كلها، يدعو لإعادة النَّظر في جدوى بقائه فوق هذا العرش!

بمزاج كهذا وجدتني أصغي، مساء اليوم، للمرَّة الألف، وأنا بكامل هيئتي التي تميل للتنقيب عن (الجمال) و(الخير) في (القبح) و(الظلام)، إلى أعمال المتسلط بيتهوفن! وبالحق، إذا كانت الموسيقى هي جماع هذه المحرِّكات الضخمة الغامضة المكوِّنة للقانون والمُسيِّرة للتاريخ، فإن اكتشافك لأحدها بصورة واقعية ملموسة، أعني ألا يكون مترجماً عبر الموسيقى والألوان واللغة، سيفضي بك لأن تصبح، على الأقل، شاعراً، بالمعنى المبتذل لهذه الصفة! المصيبة عندما تدرك، بعد أعوامٍ من الجلوس والبحلقة في جسدِ هذا المحرِّك الذي اكتشفته بالصدفة، أن معدنه لم يأت من العدم، أو من كوكبٍ آخر، فبعد قليل ستفقد براءتك، حين تجد نفسك إزاء مدينةٍ من المعادن الرابضة داخل تكوينك، داخل روحك، حركاتك وتعاملاتك البسيطة والدقيقة مع البشر والكائنات والأحداث؛ فهذه المعادن هي، في الحقيقة، جزءٌ أصيلٌ من هذا المحرِّك البشع القاسي الذي أفرز للتوِّ دبابة كاملة تتمايل طرباً في ساحة قتال أهلي على نغمات أناشيد جهاديَّة!

الموسيقى العظيمة جماع كائنات مستقلة. وعندما يخرجُ الصوتُ الواحد المحدَّد، يتحول الهواء كله إلى صوتٍ وحيدٍ محدَّد، يبني فيه شعوبه وقارَّاته وبحاره، فتبدأ، في كلِّ مرَّة، حكاية التاريخ من أوَّلها، ريثما تمرُّ (لحظة الصوت)، اللحظة التي يصلُ فيها لذروة تأثيره كعظيم وحيدٍ كامل!

الأربعاء:

الأمر الذي لا مفرَّ منه أن الحقيقة الوحيدة في هذا العالم تنتمي للموت في أقصى حالات ضياعه وصحوه! فبعد كل هذه المرافقة للنعوش المتوَّجة في نهاية مطافاتها بحفناتِ الترابِ الصاغرةِ أمام هيبة العطور، بعد كل الثياب التي تمسي بلا سيِّد ولا رقيب ولا عَرَق، بعد كل النَّوافذ المفتقرة لإطلالة من يسكن غرفتها، بعد كل السكون الذي يرين على الأرجحةِ الليلية للسرير بآثار جسدِ النَّائم الغائب، بعد كل الممصَّات الدقيقة للكائنات الرابضة في الزوايا المظلمة وتحت اشراقات الغبار، بعد كل ما ينطوي عليه شعور الخواء العظيم الذي يغلف الوجود، لا نستطيع أن نتخيل أين تذهب كل هذه الأشياء! بحقِّ كل شيءٍ ساكن أو ثائر في الأرض أين تَذهَب؟! إذا كانت توجد بوَّاباتٌ لتحمُّل كل هذا العناء المُتواتِر لعبور الذكريات، فكيف يتبقى ثمَّة هواءٌ لنتنفسه؟! كيف يمكن للمياه أن تجري من منابعها إلى مصبَّاتها دون أن تثبُت في مكانها مع كل دخول وخروج من بوَّابات الموت والحياة، تفصلها الذكريات بملابس السهرة والرقص، بينما تصدمك الأسنان بمحاولة اللمعان من بين الابتسامات الحزينة، وتعليقات الأطفال المتأكدين من بداية العالم ونهايته، فلكأنهم حُرَّاس البوَّابات ومزخرفو حوافها بضحكاتهم الضَّاجَّة!

وحيداً توفي خالي العميد معاش ميرغني حبيب الله مساء أول أيام العيد. إدراكي أن الشخص يموت وحيداً أمرٌ لا مفرَّ منه، إذ أن الموت، للأسف، هو التجربة الوحيدة التي تثبت بجلاء أن الحياة فردية، رغم أنها مشوَّشة بادِّعاءات الجماعية والموضوعية الزَّائفة! قد يبدو هذا الحديث حامضاً بعض الشيء، لكن كلمة (للأسف) تريك بوضوح أن التجربة الوحيدة التي تقوم دليلاً قاطعاً على ذلك هي التجربة التي يجب أن تحذف من الذاكرة باحتراف خبرةٍ متوارَثةٍ عبر عصور البشرية ومسيرتها الجبَّارة، جيلاً بعد جيل، حضارة وراء حضارة، فكراً يقبِّل فكراً جديداً؛ كلها تنصبُّ في قالب النسيان، وتستحيل تماثيل جميلة، حزينة، تنظر للأفق المكسور، والناس من تحتها يتعبَّدون أفواجاً!  

نستطيع أن نرى أيضاً أن استبعاد الذات المنفية الفردية من حسابات (الخير) و(الشر)، إن كان لهما حسابات أصلاً، يتيح لفرسَيْ الرهان الملتبسَيْن هذين أن يتخفيا خلف بعضهما بمهارةٍ يحسدان عليها، ومن ثم يصطنعان حروباتٍ يذروانها بينهما ليُغطيا أبعادها المقنَّعة، أبعاد المصالح والنَّهش والظلم والفتك وما إلى ذلك من غرائز بشريَّة أصليَّة لا عيب فيها، فالعيب في كل خُلق ذميم وكل فعل قاتل يؤدي مباشرة إلى البحث عن مبرراته الموجودة في ذلك المكان الذي تقذف منه الفرديات والذاتيات إلى المزابل والمحارق!

بدوره غادر ترهاقا، الملقَّب بـ (توني)، هذا العالم أيضاً، مُسجلاً نوعاً آخرَ من الاختفاء! فإذا كان ذهاب ميرغني حبيب الله يعني انسحاب حضور من البيت، فقد كان ذهاب توني انسحابَ حضور من شوارع أمدرمان، فبإمكانك أن يقوم بزيارةٍ سريعةٍ للهاشماب أو العباسية أو ود البنا، وتلقي نظرة على أجساد الشباب تمارس انتثارها المسائي في زوايا الحارات، لترى بوضوح مدى النقص الحاد في هذه الأجساد، ومدى رسوخ اللغة الباطنية الوحيدة التي أودعها توني ونسات هذه المدينة. أما الحركات والايماءات التي كانت أكثر ما يميِّزه، فسيراها تتجوَّل بين الاجساد!

بعد ميرغني وتوني بأسبوع رحل أيضاً الشاعر الكبير سركون بولص، مخلفاً ما يشبه صدىً قديماً تم اكتشافه، وستتواصل معرفته لأزمنةٍ قادمات. في سوق الفراشين: تحت نزار قبَّاني، وتحت روايات عبير، بل تحت (رجل المستحيل) و(الشياطين التلاطاشر)، وجدت كتاب (إذا كنت نائماً في مركب نوح) للشاعر الراحل، فكان نقطة تحوُّل عظيمة بالنسبة لمشروعي الكتابي. أتذكره وهو يقول عبر قصيدته (حانة الكلب): "وَجَدتُّ نفسي نائماً في الجانبِ المُظلم من العَالم، أنقبُ، كلَّ صباح، في مكتبةِ الآلام العامَّةِ، عن جِذر يربطني بك، أنت، دائماً، وحتَّى أنني أتردَّدُ في أن أسمِّيك، لأنك لستِ امرأة أو الأرضَ أو الثورة: شجرة فقيرة، حذاء في الطوفان، لا أسمِّي أحداً بالضبط، لكنني أريدُك أن تشعُر بخطورةِ القضيَّة! لكننا نبدأ عادة بالبداية، أي الخروج بكلِّ ما نملكُه من الصِّدق نحو الفريسةِ التي ستقودُنا إلى قلبِ المعنى، لأن المعنى دائماً هناك يُدخِّنُ صابراً في نهايةِ القصيدة"!

ردِّدوا معي: الداخل والخارج، البيت والشارع، ما يُرى وما يُحسُّ، المُتَذكَّر والقائم أمام النَّظر السليم واللغة الفاحشة، كلها تستنفر البوَّابات: أين يذهب كل هذا؟!

الخميس:

الملاحظة حالة هادئة. بالتأكيد لا يمكن لملاحظٍ أن يلتقط التشابك المريع الذي يكتنف العالم للدرجة التي لا يخالجك شك بأن هنالك ما يحدث بالصدفة، بل (الصدفة) كلمة مُختلقة تريح من عناء التفكير في الأحداث غير المنطقية، أو التافهة التي تخرجك عن السيطرة. الملاحظة الهادئة هذه مستورة بالصدفة دائماً.

الذي حدث (صدفة!) في الفترة السابقة، هو حدثٌ يحاول، بزعمي، أن يصفع النَّائمين، وينبههم لما يجري لذلك العملاق المكتظ (بالملاحظات) كسبُّورة، والذي أصبح الآن في عداد التَائهين! وكما قال فاروق أسامة، فقد تمت عملية التحوُّل (الديموغرافي) ولم تحدث عملية التحول (الديموقراطي) بعد! لقد تحوَّل السُّوق العربي، بقدرة قادر، من مكانه، كأننا أزاحنا الشَّمس من موقعها المركزي بالنسبة لكواكب المجموعة إيَّاها، لكن الشمس التي نكِّسَ أنفها، حلَّ محلها، في مكان مُلكِها وعزِّها، (جاكسون) الجميل!

تضررت العديد من الأماكن العامَّة بسبب هذا الانتقال المفاجئ، من بينها ركن أثير يملكه صديقنا الخال عمر محمد سليمان، بجانب عدد لا بأس به من الإخوة الجدد في حياتنا، والخال عبد الماجد، أقصد (أتينيه). مكان تجمُّع صغير يستطيع أن يتحمَّل وزر فقرنا بابتسامة تشبه الشِّعر كثيراً! فقدت أتينيه الكثير من روَّادها. حتى العابرين لمواقف المواصلات اختفوا. أسامة عباس يبدو سعيداً بهذا على نحو غامض. لم يصرِّح أبداً. وهمس الشاعر عبد الله الزين: "الحسنة الوحيدة أن أتينيه ستقتصر على أهلها"!

السوق العربي، هذه الشمس الوهَّاجة، كانت، ولا زالت، تحمل، في كل زقاق مليء بالبشر، آلاف الأطفال، وهم لا يملكون أطرافاً! السؤال المذهل: ألم يتساءل أحد يوماً عمَّا إذا كانت هذه ظاهرة طبيعية؟! طيب .. يمكن (صدفة)! والأهم: لماذا تتعامل السلطة معهم كمشردين معاقين فحسب؟! لأننا، وببساطة، لا نستطيع أن نتخيل ذلك الحادث الكوني العظيم الذي تفجَّر منه هذا الكم الهائل من الأطراف المقطوعة! ونورا كمال، العاملة في حقل حماية الأطفال بإحدى المنظمات الإنسانية، تتعجَّب لماذا لم تهتم المنظمات بهذا الأمر، فتحقق حوله مع الجهات المختصَّة؟!

إنهم يُسمِّمون النَّظرة تماماً، يضعونها في حالة غريبة من اللامبالاة، يُعوِّدون البشر، من كثرتهم، على (طبيعيَّة) الأمر بصورة لا تصدَّق، فيكون على الرائي أن يُعيد تعريف (الإنسان) وجسده في ذاكرة الصُّور الضخمة التي يمتلكها، والتي صاغ بها النَّماذج الخلاقة للكائنات الفضائية في الأفلام، وصاغ بها شكل الملاك، ووجه الشيطان، وتقاسيم الأشباح والجن، ليخرج في النهاية بصورة بارعة ومريحة للعين عن هؤلاء المشردين. لكن المشكلة ـ كما يقول الأستاذ الشهيد محمود محمد طه ـ في التَّصوُّر، فإن استطعنا أن نتصوَّر الكمَّ الهائل من الشُّعوب الحرارية التي تعيش، طوال يوم واحد فقط، على جلود المشردين الزَّاحفين، أو إذا استطعنا تصور الحرارة في مكان واحد من الجسم المتحرك عبر السوق طوال النهار، (الرُّكبة) مثلاً، سنصل إلى معجزة التحمُّل اليومية، ولا يغرَّنك أنهم يضحكون ويغنون ويلعبون بسرور!

ولنكن أمينين قليلاً مع أنفسنا: البشريُّ يستطيع أن يتكيَّف، ويخلق عالمه، ويشكل حياته، بغض النظر عن هذا الجحيم اليومي، إذ أنه، رغم كل شيء، منتصرٌ بفخر وعظمة جديران بأن يضعاه في مركز البلاد، في مكان الشمس، بأحلامه وتطلعاته ومغامراته، رغم أنف الحُريَّات المنتقصة، والحِكَمة الغائبة، والقوانين القديمة والجديدة، إنه، باختصار، سلطة أخرى، ومعنى مغاير، وعدل مختلف، إنه .. حيٌّ!

الجمعة:

في ورقةٍ بعنوان (أدب الشفاء) قدَّمها في محفل لاهاي يوم 15 سبتمبر 2007م، بدعوة من منظمة (نصون)، حول (دور المثقف السوداني في قضايا التحول الديموقراطي)، وستقدَّم كذلك في المؤتمر العام لاتحاد الكتاب السودانيين، تحدث حسن موسى عن ضرورة انخراط المثقفين في العمل السياسي وأن لا يتركوا البلد للسياسيين يتخذون القرارات الخرقاء،  وأن لا يغيبوا كفصيل صالح من فصائل التماسيح، ويعملوا ضد "عربدات الوَرَل في البلد الما فيها تمساح"! ودعاهم للانخراط في (الانتباه) لما يدور في الساحة السياسية قائلاً: "أدعو قبائل المثقفين الطوباويين لتأسيس نوع معاصر من (حلف الفضول) .. فحواه مناصرة المظلومين وتقعيد التسامح في الحياة العامة".

إستوقفتني هذه النقطة بالذات، لدى مطالعتي لهذه الورقة القيِّمة نهار اليوم، لا لمركزيتها، فقط، في أطروحة حسن، بل لاستدراكه عليها قائلاً: "لا أقول بأن يهجر الأدباء والعلماء مجالات عملهم ليتفرغوا للسياسة، ولكني أطالبهم بالانتباه لما يحدث في ساحة السياسة السودانية ومتابعته ومساءلة الناشطين السياسيين في وسائل وغايات حركاتهم". هذا هو ما يدعوني للحديث من زاوية أخرى ، وإن اتصفت بالصفاقة. فالسياسة، في الواقع، موضوعة في خانة (فعل) بصورة نهائية، باعتبار أنها (المُغيِّر الأقوى تأثيراً)، وهذا أمر حقيقي بصورة كبيرة، إذ أن الواقع الاجتماعي والتاريخ لا يتغيَّران إلا بالسياسة، كعمل منظَّم تجنَى ثماره في الحال والآن. لكن الكتابة لا تستطيع ولا تهدف إلى التغيير بالمعنى الموجود في القاموس السياسي، فهي لا يمكن أن تكون محرِّضاً على نزع سلطةٍ، أو تغيير نظامٍ اجتماعيٍّ قائم وسائد، ولا تريد أن تقوم بتغيير التاريخ وفتح آمال عريضة أمام الإنسانية، إنما هي تغيير خفيّ لا يُرى ولا يُحَسُّ، بمعنى أنك لا تستطيع تتبُّع حركة تغييره، بل إن تغييره لملتبسٌ وغير معروف العواقب، وربما، إذا كان الكاتب يقصد أن يجيِّش المجتمع حول فكر معيَّن أو لإنبات واقع معيَّن، ربما تحوَّل هذا السلاح عكسياً، وذهب بالمجتمع في اتجاهٍ آخر. الأمر يتعلق بقارئ محجَّبٍ (بالمعنى الإسلاميّ) في ركن ما في العالم والزمان الأرضي!

أرنستو ساباتو تساءل في كتابه (ملاك الجحيم) عن جدوى الكتابة قائلاً ما معناه: لم تستطع رواياتي أن توقف رصاصةً عن قتل طفلٍ، ولا حتى عن تجميد الجوع لكي لا ينتشر في عروقِ أحدهم فيقتله، ما الفائدة؟!

إذا اعتقد الكاتب في أن نصوصه ستغير مجتمعاً أو تاريخاً كمسار طبيعيٍّ، فإنه إما سينتهي منتحراً، أو "يهجر عمله ويتفرَّغ للسياسة"، أو يتحوَّل إلى مدمن من أي نوع. سيختنق، لأن الكتابة لن تعطيه ما يتمناه. لكن الإبداع يهجر، في الواقع، كل هذه الجهات من أجل الملاحظة والتدوين والكشف عن القوانين المحركة للتاريخ البشري في أقصى صورها دقة: الانفعالات، والرغبات، وردود الأفعال البسيطة، والعاطفة متعددة الأسلحة والنوايا. الكتابة كائن بشري حي، مكتشف، يعيش في مجتمعٍ آخر مُختلَق ومتحرك بكلّ لا طبيعيَّةٍ مظلمةٍ ويقينيَّة. إن النهاية والبداية، كما يقول كونديرا، أين نذهب ومن أين أتينا، هذه الأسئلة التي حارت البشرية داخلها؛ نجد أنها واضحة الإجابة في الآداب والفنون، دون خوفٍ ولا قلق!

أغلب الكتابات النقدية تتناول الأدب من موقع (السياسة)، ومعنى التغيير داخل هذه المفردة. وقد ضحكت كثيراً عندما (صُدِمْتُ) بالفاتح يوسف جبرة، قبل شهرين، بصحيفة الرأي العام، تحت عنوان (قال حداثة قال!)، وهو يُحاكم (شعر الحداثة) من زاوية (زَهَجهِ) منه هو و .. الشعب السوداني (البسيط)! ويثير شفقتي أكثر انجراف غالب الكتاب إلى هذه المهاوي في محاولةٍ لتبرئة الذمَّة من اتهامات (عدم الوطنية) و(البعد عن قضايا الجماهير)! وأجدني أنحاز لدعوتهم بدعوة حسن موسى لكي لا يصابوا بالجنون من سلبيتهم الحزينة؛ فتغيير الكتاب اجتماعياً وتاريخياً (كشريحة) يمكن أن يكون عن طريق (حزب الفضول) مثلاً، ولكن أن ينتظر السياسيون والمنظمات من الكتاب أن ينخرطوا معهم (بكتابتهم) في عملية التغيير فهذا ضربٌ صعبٌ من الآمال، والأكثر خزياً أن الدعم الذي يجده الكتاب مؤسس على مدى توجُّه كتابتهم نحو التغيير! أنا لا أتحدث هنا عن الألوان السياسية للكتاب، وأرجو أن يكون ذلك واضحاً، ولكن الكاتب، بحق السماء، يكتب .. وحيداً!

السبت:

في مؤانسةٍ مع محمد الصادق الحاج عن الأعراق، جرت ضمن مشوار طويلٍ في جوف هذه الليلة، حكى لي عن طفلة غجرية دفنت (مصَّاصةَ تمر) في موقع قضت فيه مجموعة غجرية بضع أسابيع، فنبتت شجيرة، في الحقيقة نبتت في قلب الطفلة! وقت الرحيل كانت الدموع تجري من النبتة في قلب الطفلة، ثم تطفر من عينيها لتتساقط على النبتة مرة أخرى، فأمر الزعيم بقتل الصغيرة لمخالفتها أهم قواعد الغجر: لا تزرع ولا تبني. فهم يمقتون الاستقرار. قال محمد: "كان ذلك قبل ترسيم الحدود"!

كيف عجزت الشعوب عن استشعار انتمائها إلى جنس محدَّد إلا بعد قيام الحدود، بينما واصل الغجر انتماءهم لبعضهم خارج هذا الشرط؟! لقد استقرَّوا في كل مكان من العالم، تاركين للبشر الآخرين أن يتشبثوا بالحدود، وبعضها رسمه أغيار لأغيار في المُستعمرات السابقة!

تحدَّثنا عن الأقباط في مصر، وكيف يستطيع المصريون أن يميِّزوا القبطي، لأننا لا نرى فرقاً في اللون، فقال محمد: هم أيضاً ينظرون إلينا جميعاً في السودان ككتلة واحدة، ولا يستطيعون أن يميِّزوا بين ألواننا، نحن واحدٌ بالنسبة لهم: أسْوَد! وفكرت: نحن أيضاً ننظر للجنوبيين منا ككتلة واحدة، إذا أخطأ واحدهم أصبحوا كلهم مخطئين، وإن أصاب واحدهم أصبحوا طيبين! حتى أن جهة (الجنوب) أصبحت (اسماً) لهم، بل إن هذا الاسم (الجِّهاتي) متداولٌ في أجهزة الإعلام أيضاً، وثمَّة ثقافة كاملة اسمها (ثقافة الجنوب)، ولا يكاد يخطر على بال أحد منا أن (الفرد) منهم لديه تجربة وشخصية وحياة (فردية) خرجت من رحم ما وسوف تنتهي في رمس ما!

سيكون أمراً مضحكاً أن نذهب إلى كوكبٍ آخر، ونجد كائنات لزجة وسائلة وعاقلة ومفكرة ولغوية مثلنا تعيش هناك، ومثلنا تقتتل لأن سوائلها مختلفة ألوانها!

الأحد:

(كيس نايلو والهوا شايلو) هو عنوان إحدى قصص الكاتب عبد الغني كرم الله، وقد أرسلها لي قبل أيام. وكالعادة لا يحار هذا الكاتب في تناول هذه الأشياء ذات الحركات الشائِقة، مثل (كيس النايلو) الذي يدور في عين طفلٍ مشرَّدٍ كأنه غاية حياته! ليس هذا فقط وإنما مثل (كيس النايلو) ذروة أحد الأفلام الأمريكية بعنوان (American Beauty) ، وأعتبره إحدى تحف الحضارة الهوليووديَّة. إحدى شخصيات الفيلم، وهو صبيٌّ يافع، استطاع أن يخلق علاقة، أخيراً، مع بنت الجيران التي يتابع حركتها يومياً بصورة أقرب للهوس مما دفعها لصدِّه مرات عديدة، وبعد الانهاك، قام بإدخالها إلى عالمه الغريب، والذي يبدو من بعيد مَرَضيَّاً، لكنه من قريب أشبه بالعبقرية، إذ يقضي الصبي معظم وقته في تصوير العالم، لكن بأبعاد أخرى له ولحركته. قال لها: "سأريك أعظم أعمالي". شغَّل الشاشة الكبيرة فإذا بـ (كيس نايلو) صغير ورقيق ومهووس يتحرَّك وكأنه هو المُسبِّب للرياح التي تحرِّكه! وقال لها جملة أصبحت ملهمتي لأزمنةٍ طويلة: "إن في العالم جمالٌ لا يقوى قلبي على حمله"! وكانت عيناه تسرِّحان المَشهد بدموع خفيفة.

كتب عبد الغني: "تكوَّرت المدينة في عين الكيس، التصقت البيوت ببعضها، كأنها خائفة، أو مسَّها شوقٌ لبعض، عين الكيس لم تعد ترى الشوارع، بل جسداً واحداً، لمدينة متحدة، أهكذا العُلوُّ يُؤاخِي، ويبثُّ الرُّوحَ في الشَّظايا"؟!

وفي الحقيقة، فإن (كيس النايلو)، مثلما جمع المدينة في عينه، جمع أيضاً العديد من الكتاب! وهذا التعبير ليس مجازياً على الإطلاق! أخبركم بسرّ: أغلب الكتاب الشباب، وربما الأكبر من الشباب، كانوا يعملون في مصانع (أكياس النايلو) وفي دكاكين بيعها في الأسواق الكبيرة! إن الأمر يتعدَّى ذلك، فقد كانت دكاكين الأكياس محطات لتجمُّع عدد من الكتاب لا بأس به، وعلى سبيل المثال: محمد الصادق الحاج الذي عمل في دكاكين الأكياس لأكثر من ثلاث سنوات، ناجي البدوي أيضاً، وعيسى عبد الله الغائب عن الساحة منذ فترة طويلة، وقيل أن صديقنا الشاعر الصادق الرضي نال بركة (مكنة الأكياس) أيضاً وجرَّبها على سبيل الفضول، وأنا بطبيعة الحال كنت عاملاً في مصنعٍ للأكياس في السوق الشعبي بأمدرمان مع مجموعة من العمال المتطلعين والصبورين، ولن أتحدث عن (بساطة) العمال، ولا ينبغي لي، فقد أدركت أن لا بساطة في الأمر، إذ أنهم، وبواقعهم، أغنى كثافة ومتعة بالحياة، والعنف والخوف والمصائر الملتبسة التي يواجهونها أفضل بكثير، بالنسبة لتعقيدهم ورؤيتهم العميقة للحياة، من هذه الأمور الواضحة التي نعايشها يومياً! إننا نضمن مستقبلنا، وحياتنا في كفِّ خيارنا، أما حياتهم ففي كفِّ عفريت .. أيُّنا أحْكَم؟! وأيُّنا أغنى؟!

المهم في الأمر ذلك التحوُّل الذي أصابني بعد أن تركت العمل في المصنع، ويا لها من ايام، فقد أصبحتُ أطيل النظر في الأكياس، وأتخيَّل كمَّ العوائل والحيوات والتجارب التي تمور داخل هذه الطبقات الشفافة، بعد أن كنت، في ما مضى، أشتري الكيس وأرميه ببساطة للريح! ويبدو أن ذلك ينطبق على كل شيءٍ في العالم إن حاولنا تصوُّر الكثافة البشرية الموجودة في كل شيء، الحزن والسعادة، الموت والولادة، المستقبل والماضي، كل شئ، كل شئ، وسوف يأتي زمانٌ تصبح فيه النظرة، بهذه الصورة، ضرورة قاسية لا يستطيع الانسان الاستغناء عنها كالهواء .. تماماً!  

الإثنين:

عزيزي كمال، بعد السلام، أعتقد أنها فرصة طيبة أن نختم هذا الأسبوع بإيماءة إلى عملية إنتاج (الرزنامة) ذاتها، فهذا النوع الجميل والممتع من الكتابة (أنا هنا أحسدك!) يجعلني أحسُّ بأن الأيام أصبحت، أخيراً، في عداد المُطلقات، حين تحرَّرت من تواريخها، وهربت من اقدارها بصورة خبيثة! فأنا، كما تعلم، لم أكتب يوميَّات هنا، لكنها أيَّامٌ أبدية، إنها (تجريد) للأيَّام!

وبمناسبة التجريد، فقد كنت أتحدث مع طفلٍ صديق في السابعة من العمر اسمه محمد علي، وهو ابن ياسر محمد علي الناشط الشهير في منظمات المجتمع المدني. سألني عن (التجريد)، فشرحت الموضوع من زوايا كثيرة كي يتضح المعنى، لكنني، مع ذلك، لم أفلح. فتذكرت الفتيات اللواتي جرى (كشطهنَّ) عن لوحات الإعلانات في الشَّوارع العامَّة! لقد (أبدعوا) بفعلتهم هذه (تماثيل تجريديَّة) ربما أصبحت تعبيراً مطلقاً عن صورة المرأة في .. (ذهنيَّة التحريم)!

***

 
     

فهرس الأخبار