الذين تؤرقهم الحقيقة

خالد فضل

الصحافة 13-11-2007

* قبل حوالي عشرين عاماً تقريباً كنا طلاباً في السنة الثانية بالجامعة، وحدثت مشكلة طلابية طرفاها رابطة الطلاب الجنوبيون المعروفة اختصاراً عن الإنجليزية بـ(جوسا)، وجماعة الدعوة الإسلامية المسمى التنظيمي لطلبة الجبهة الإسلامية وقتذاك، فما كان من أحد المنتمين لتلك الجماعة إلا وأعلن الجهاد من على مكبر صوت محمول، وهنا ثارت ثائرة طلبة (جوسا) وتساءلوا عن حقيقة ومغزى إعلان الجهاد ضدهم وفي ديارهم.. وانتهت المشكلة بتدخل الشرطة ثم الجيش في وقت لاحق، وبإغلاق الجامعة إلى اجل غير مسمى.. الخ الخ. المهم، إن ذاك الأخ والزميل الذي أعلن الجهاد ذات يوم وسط غابات الجنوب، وهو للأمانة عمل شجاع في تلك الظروف بغض النظر عن صحته من عدمها، إذ أنني لم أوافقه الرأي يومها ولا لاحقاً عندما أضحى الجهاد هو المسمى الرسمي للحرب الأهلية، عاد ذلك الزميل بعد سنوات طويلة، فقابلني بالصدفة ذات يوم، وتكرم مشكوراً بأخذي في سيارته إلى حيث أريد، ولكنه فاجأني بقوله إنه اكتشف بعد سنوات طويلة أننا- ويقصد الديمقراطيين الوطنيين، كنا على حق، وأن نظرتنا لمستقبل البلاد المستندة على رؤية إنسانية اشمل وأعمق وأوعى من نظرتهم هم كإسلاميين، هي الصائبة، وأنه ومنذ زمن وبعد مراجعات فكرية وتأمل، أيقن أن سكة الانتماء للإنسانية بمفهومها العريض، والاهتمام بهموم وقضايا الشعب السوداني واحترام تعددياته الثقافية والدينية والعرقية، هي درب السلامة الوحيد المتاح لبلوغ الاستقرار والسلام والتنمية.. ولذلك واصل ذلك الزميل، فإنه قد قرر الكتابة الصحفية كلما سنحت له سانحة ليعبر عن رؤيته الجديدة هذه، فشجعته على ذلك، وقلت في سري (الحمد لله الذي أعزَّ صف الحق والصدق والديمقراطية بهذا الأخ الشجاع).

ü ثم، ومرة أخرى، وعقب المفاصلة المعروفة بين تياري د. الترابي وعلي عثمان داخل سلطة انقلاب الإنقاذ، استوقفني وفي الشارع كذلك، أحد عتاولة زملائنا من المنتمين للجبهة الإسلامية، وزعيم طلابي في تلك الجماعة المار ذكرها على أيام الدراسة، وضابط أمن سابق على بدايات إلحاق المنظمين بجهاز الأمن الوطني في إطار حملات التمكين التي استهدفت إفراغ كل أجهزة الدولة من غير الموالين واستيعاب الملتزمين فقط، استوقفني الرجل في عُرض الشارع، وبعد أن سلَّم علىَّ بالأحضان على غير ما تعود منذ ان افترقت خطواتنا في دروب الحياة، حينما أصبح هو (جلاداً) وأصبحت أنا في صف الضحايا وفق المعادلة المختلفة التي قسمت بها الإنقاذ شعب السودان إلى قسمين (سادة ومسودين)، بيد أن ذاك الزميل فاجأني هو الآخر بحديث يقطر مرارة عما يحدث وحدث داخل أروقة الإسلاميين، بل وفي مرة لاحقة، حدثني حديث العارف ببواطن الأمور عن مآخذ لو قالها قائل لصمتت كثير من الأبواق التي تنطلق الآن من على صفحات بعض صحف الخرطوم تهتك في أعراض الناس، وتستخدم ساقط القول، وتعيد وتكرر في غث العبارات وشائن الكلام، ومما قاله ذاك الأخ (التائب) إنه نادم على مشاركته في إلحاق (تجنيد) أي كادر لصالح تنظيم الإسلاميين، وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لما فعل ذلك..!!

ü هذان نموذجان لشخصين اعرفهما معرفة شخصية، وربطتني بهما صلة الزمالة على أيام الطلب، ولم يكونا من مغموري الإسلاميين، بل كانا من ضمن أعلامهم الذين يُشار إليهم بالبنان، ولكن ارق الحقيقة اقلق مضاجعهم، فآثرا الفضفضة لشخص عرفاه منذ الدراسة الجامعية صاحب موقف ملتزم جانب الصدق والحق والشعب وفق تقديره بالطبع، وليس مطلقاً، إذ أنني لم ازعم ولن يتسنى لي أن ازعم، بأن تصوراتي وآرائي هي الحق (الصمدي)، فهذا شأن إلهي، وكاذب من يزعم أنه قد أوتي فصل الخطاب.. اللهم إلا بعض الموهومين من صحافيي وكتاب بعض صحف الخرطوم، من أمثال ذلك الكاتب الذي يكتب من (علٍ) آمراً الجهات الحكومية ومحرضاً للأجهزة على إغلاق موقع اليكتروني هو (سودانيز اون لاين)، بل ما فتئ هذا الكاتب (يحرش) الأجهزة المختلفة كالأمن ورئاسة الجمهورية والجيش ضد كاتب آخر، ضمن مسلسل بائس وحقير يستهدف اغتيال الشخصية، وفق مخطط تم رسمه وسداد حافزه (5) ملايين جنيه لمجموعة من الكتاب والصحافيين من سدنة الاستبداد وربائب الشمولية، لاغتيال شخصيات سياسية بارزة في الحركة الشعبية، على رأسهم ياسر عرمان وباقان أموم ومنصور خالد ومالك عقار، وذلك بغرض إحداث فتنة وتشويش، على أمل حدوث انقسام وسط الحركة الشعبية، عبر بعض العناصر التي جرت أو تمت محاولات شرائها أو (البنادق المأجورة) كما يقول الحاج وراق.

ü نعم إن المخطط معروف وتفاصيله مكشوفة، وحتى رقم حافزه معروف، ولا يحتاج المرء لكثير عناء ليلحظ خط هؤلاء الكتاب وصحفهم التي تثير الفتنة، وتهوش، وتنشر الغثاثة، والركاكة وساقط القول، وللأمانة فإنني لم أقرأ عبارة (الشذوذ الجنسي) تتكرر في مقال واحد، إلا لدى كاتب أو كاتبين من تلك المجموعة المعروفة، وإذا كان هذا الموضوع قد تمت إثارته عبر موقع (اليكتروني) مرموق يؤمه ملايين السودانيين يومياً، فإنه في النهاية لا يعدو أن يكون رأياً من كاتب أو كاتبة، وبالطبع فإن أي رأى يجب أن يطرح للنقاش، إذ أن الحرية تعني أول ما تعني ان يتم إبداء الآراء ومن ثم تفنيدها بموضوعية أو تأييدها على ذات الطريقة، أما أن يتم استغلال (رأى) لتشويه سمعة، وإطلاق ألفاظ بذيئة على قائله، فهذا لعمري هو السقوط الأخلاقي والإفلاس الفكري، فما أكثر العورات التي يعرفها القاصي والداني، ولكن ليس كل ما يُعرف يُقال ويكتب، كما أن الزعم و(النفخة) والانبراء للدفاع عن (الشرف) و(العفة) وغيرها من أسماء معانٍ جليلة، لا يتأتى بل لا يصدق إلا من كانت صحيفته (شريفة) و(طاهرة) وبيته ليس من زجاج..!! ولأن الكتَّاب والصحافيين والسياسيين والمنظومات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، بل غالبية الشعب السوداني، يعرفون من (عمائل) (وفعائل) الجماعة إياهم ما يشيب لهوله الولدان، فإن أفضل وسيلة لديهم هي جرُّ الجميع ليتمرغوا في أوحال الدناءة والخبث، إنها عبقرية تلويث البنية السياسية والاجتماعية كلها في السودان، حتى يتساوى الجميع في السفالة، ولكن هيهات هيهات، فإن قوى الخير والصدق والحق والمبدأ الديمقراطي المنحاز لأسمى القيم الإنساني، لا يمكن أن تنحدر لهذا المستنقع الآسن الذي يعمه فيه سدنة الاستبداد وربائب الشمولية (وصبية) الجبهة..!!

ü نعم، إن موقع سودانيز اون لاين يعتبر وطن من تم نزعه قسراً من وطنه. وحسبما كتب الزميل الطاهر ساتي (الأحد 11/11/2007) وحفل التكريم العظيم الذي أقامه المنبر لشموع الصحافة السودانية، هو امتداد لجهد مقدر ظل يبذله (البورداب) انتماء مخلصاً وواعياً لوطنهم وشعبهم، ضمن حملة أنقذوا وليد دارفور قبل الخريف، إلى المساهمة في علاج بعض الحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية، إلى نشاط إعلامي وحضور يومي وسط حقائق ما يحدث على ساحة الوطن، ومشاركة بالرأي والخبر والصور لمآسي الشعب وأحزانه التي يتسبب فيها سدنة الإرهاب وجلاوذة الديكتاتورية وكتاب السلاطين وصحف الخسة والوضاعة، وأعلام التضليل والفضائح.. لذلك فإن هذا الموقع والناشطين من رواده، لا بد ان يستحقوا اللعنات من جانب أعداء الشعب والحق والسلام.. ولكن خلاص قطر النضال ولى وغالي علىَّ إتدلى.. فلا بد من بلوغ الفجر مهما تكالبت صنوف الظلام.. هكذا هي سيرة وخبرة وتجربة الإنسان، والشعب السوداني صاحب المنجز المعجز حاضر، ويعرف اسم وجهة وقيمة (اللص الرابض للقطعان)..!!

وقديماً قال المعري الشاعر الفيلسوف:

فوا عجباً كم يدعي الفضل ناقص

ووا أسفاً كم يظهر النقص فاضل

فهرس الأخبار