يحدث أحياناً أن يلفى بعض الناس أنفسهم مشغولين بالتفكير في أمر ما، ولكن
من جانب وحيد، ومن زاوية بالغة الضيق، يكبون عليهما انكباباً لا يرون معه
سوى هذا الجانب فقط، ومن هذه الزاوية وحدها، دون أن ينتبهوا إلى وجود جوانب
وزوايا أخرى، مِمَّا لا يندر أن تنتج عنه مفارقات غاية في الطرافة!
أحد أصدقاء صبانا الباكر كان من هذا النوع الذي يسميه الفرنجة
one eyed، ويسميه صديقنا القاص الشاعر البارع بشرى الفاضل (الإنسان ذو العين
المنطفئة)، ربَّما تصحيفاً لعبارة هربرت ماركوز (الإنسان ذو البُعد الواحد)
التي جعلها عنواناً لكتابه الشهير! الشاهد أن ذلك الصديق كان يجلس بيننا،
ذات مؤانسة لشلتنا تحت عمود النور في الحي، وكان الحديث دائراً عن التنباك.
وبعد أن سرح بعيداً يفكر في الأمر، أراد، فجأة أن يدلو بدلوه، معبِّراً عن
كراهيَّته للتنباك، فقال، لا فضَّ فوه:
ـ "أنا والله ما عارف الناس دي بتسف التنباك ده كيف؟! أنا والله يختوا لي
سفة بي جاي وعشرة جنيه بي جاي .. أشيل العشرة جنيه"!
ولم ينتبه للخلل في قولته تلك إلا بعد أن انفجرنا بضحك صاخب، وصفقنا له
طويلاً، فصارت مثلاً، وصار الجيل بعد الجيل يرويها!
وأثناء سنوات الدراسة بالجامعة كان يساكنني، في النزل الطلابي، صديق أكراني
من قرية صغيرة تقع في بعض الريف المحيط بمدينة كييف. وكان الود مفقوداً
بينه وبين عميد الطلاب، ويعتبره محض بيروقراطي قح، لا يحسن سوى الانكباب
على لوائحه، فلا يكاد يرفع رأسه ليرى أبعد منها! وكانت تلذ لي مشاكسة صديقي
هذا بأن أخالفه رأيه حول البروف، و .. "أبداً يا رفيق، إنه رجل طيِّب جداً،
وعطوف إلى أبعد الحدود"! ثمَّ أضحك عندما أرى أنفه وقد ورمت من شدَّة
الغيظ! وحدث أن تلقى صديقي، ذات يوم، برقيَّة تحمل نبأ وفاة خالته، فرافقته
إلى عمادة الطلاب كي يقدِّم طلباً كتابياً لاستخراج إذن بالسفر إلى قريته
لحضور مراسم الدفن. حدَّق العميد ملياً في الطلب، ثم فتح اللائحة ودقق فيها
ملياً أيضاً، ثمَّ رفع رأسه ليفاجئنا بقوله لصديقي:
ـ "يعني .. كان بودِّي لو ان العلاقة كانت (أقرب!) .. كي يسهل استخراج
الإذن"!
إلتفت صديقي ينظر إليَّ، شامتاً، ولسان حاله يقول: "ألم أقل لك"؟!
خطرت لي تلك الذكريات وأنا أطالع تصريحات د. جمال خلف الله، الأمين العام
للمجلس الاتحادي للصيدلة والسموم، حول اعتزامهم تحريك إجراءات قانونيَّة ضد
بعض القنوات التلفزيونيَّة بسبب إعلانات أدوية درجت على الترويج لها برغم
حظر المجلس لذلك؛ وحول اعتزامهم تغيير المفاهيم الخاطئة في ما يتصل
بالتعامل غير الرشيد مع الأدوية من الصيدليات دون روشتات طبيَّة، كممارسة
غير قانونيَّة. والحقُّ، بطبيعة الحال، معه في ما قال. لكن سيادته تحوَّل،
فجأة، "يشكو!" من "الاستهلاك القليل للأدوية!"، على حدِّ تعبيره، مستغرباً
كون "مجمل استهلاك البلاد منها، خلال العام 2007م، بلغ 250 مليون دولار
فقط!" (الأخبار، 30/7/09).
وفكرت: إما أن الرَّجل "كان بودِّه" لو أن الناس مرضوا أكثر، ليشتروا أدوية
أكثر؛ أو أنه، على رأي قصيدتي الألماني بريشت والدينكاوي سر أناي، لا يدري
أن عدم قدرة الناس على شراء الأدوية هو نفسه الذي يُمرضهم!
الخميس
يبدو أن التململ الذي ظلَّ ينتاب غالب الجسم السياسي، منذ حين، قد بدأ في
التحوُّل إلى مواقف قطعيَّة، هذه الأيام، بشأن الانتخابات، لجهة قيامها
والمشاركة فيها، فلم يعُد نادراً أن تستمع إلى خطابات، أو تطالع أخباراً،
أو تصريحات، أو بيانات، تحوي، أجمعها، شكاوى ساخطة، واحتجاجات حقيقيَّة حول
أمور تقع في صميم العمليَّة الانتخابيَّة، كنتائج التعداد السكاني، وتوزيع
الدوائر الانتخابيَّة، وتشكيل لجان الانتخابات، وكذلك المناخ السائد، من
حيث عدم الجديَّة في ما يتصل بالتحوُّل الديموقراطي، والإصلاح القانوني،
وقيود الصحافة، والندوات، واللقاءات الجماهيريَّة المفتوحة، والتضييق على
القوى المختلفة، ما عدا المؤتمر الوطني، في أجهزة الإعلام الحكوميَّة،
واضطرارها لحصر مخاطباتها داخل دورها، وما إلى ذلك.
أبرز من يؤسَّس، الآن، على هذه المعطيات موقفاً يدعو، صراحة، إلى مقاطعة
الانتخابات، هو السيِّد مبارك الفاضل! ولأن للرجل موقعه البارز داخل كتلة
التحالف المعارض الجديد الذي يضمُّ زهاء 17 حزباً على أنقاض طيِّب الذكر
التجمُّع الوطني، ويتبوَّأ موقع المسئوليَّة السِّياسيَّة والتنظيميَّة
الأكبر عن مشروع مؤتمر جوبا الذي تعوِّل عليه هذه الكتلة في الكثير من أمور
وحدتها، فقد أدهشني بهذه الدَّعوة مرَّتين: مرَّة من على منبر حزب المؤتمر
السُّوداني، بداره بأم درمان، مساء الخميس الماضي، ومرَّة أخرى عبر حواره
مع الصحفي عمَّار عوض، قائلاً بالحرف الواحد: "الانتخابات في خبر كان! نحن
نتكلم عن الانتخابات من باب الونسة الاجتماعيَّة لأن الواقع يقول لا توجد
أرضيَّة لانتخابات حرَّة ونزيهة! كيف ستنافس الأحزاب في ظلِّ هذا الوضع؟!"
(الأحداث، 9/8/09).
فهل يطلق السيِّد مبارك دعوته هذه كبالون اختبار؟! أم كمحفز لتليين مواقف
لحزب الحاكم المتصلبة؟! أم أن كتلة المعارضة أجمعت على قرار كهذا دون أن
تطرحه على الجماهير؟! أم أن هذه الكتلة غير موحَّدة حتى الآن بما يكفي، ولم
يتبقَّ على الانتخابات سوى ثمانية أشهر؟!
الجمعة
لأن الموضوع يقع في مجال اهتماماتي، فقد أسفت كثيراً أن فاتتني المحاضرة
التي نظمتها، ظهيرة الأربعاء الماضية، دائرة علم الاجتماع بمركز التنوير
المعرفي، وقدَّمتها د. مكيَّة جمعة، أستاذة الخدمة الاجتماعيَّة، ومديرة
معهد دراسات الأسرة بجامعة أم درمان الإسلاميَّة، بعنوان شديد الإغراء حول
(المسكوت عنه اجتماعياً: الخوف من العزلة والقهر وسيف التحريم)، وإن
عوَّضني، ولو قليلاً، عن هذا الفوت، إطلاعي على تقرير المتابعة الأخباري
الذي أوردته هذه الصحيفة، مشكورة، في عددها الصادر صباح اليوم الجمعة
7/8/2009م. والهدف من الدراسة، بحسب هذا التقرير، هو تفكيك عوامل تأسيس
الثقافات المتحكمة في المجتمعات القبليَّة والبدويَّة والأميَّة المتخلفة.
وترى الباحثة أننا، "برغم إقامتنا في مجتمع المدينة، ما يزال ذهننا الجمعي
يختزن البناء القبلي العشائري وقسوة البادية"!
ممتنٌّ أنا للدكتورة إذ تعضِّد هذا الحكم الذي لطالما حاولت التعبير عنه في
أكثر من مناسبة، مستخدماً مصطلح (الذهن الرَّعوي)، لولا أن شككني صديقي د.
عبد الله علي ابراهيم في صحَّته، إذ وجدته منزعجاً، غاية الانزعاج، ذات
كلمة له، في حلقتين أو ثلاث، بصحيفة (الرأي العام) الغرَّاء، من تركيز
النقد على هذا (الذهن)، ومتحمِّساً لتبرئته من المسئوليَّة عن كثير من
أدوائنا الاقتصاديَّة السياسيَّة، والاجتماعيَّة الثقافيَّة، مِمَّا ذهبت
وذهب إليه كثيرون. ولأن عبد الله، عندي، مِمَّن يُحْمَلُ قولهم على أقصى
محامل الجد، ولا تؤمن بوائق محاورتهم قبل الإطمئنان لإدراك فكرتهم
الأساسيَّة بالكامل، وحيث أنني ما زلت مفتقراً إلى هذا الاطمئنان في شأن
فكرة عبد الله، فقد قلت أتريَّث حتى تستبين تماماً؛ ولعلني شافهته، مرَّة
أو مرَّتين، بذلك.
الشاهد أنني، وإلى حين إشعار آخر، أتفق تماماً مع د. مكيَّة في إحالتها
لهذا الذهن، موضوعياً، "ثقافة العيب والحرام التي تستند إلى خرافات لا
علاقة لها بصحيح الدين"، وتعني، بطبيعة الحال، الدين الإسلامي، رغم أن
الثابت أن هذا الذهن نفسه، في غير هذا الجانب الذي يسود فيه (النقل
والاتباع)، لا (العقل والابتداع)، قادر، وبطلاقة جمَّة، على إنتاج حكمة
كثيرة!
ولئن كان مصدر هذه (الثقافة) هو واقع مجتمعاتنا المحليَّة، أي مجتمعات
المستعربين المسلمين، فلعلنا نتفق في أن هذا الذهن مسئول، كذلك، عن سلاسة
انتخابنا وتمثلنا لكلِّ ما هو غير عقلاني من عناصر "ثقافة العيب والحرام"
الوافدة إلينا، بالأخص، من المنطقتين العربيَّة والإسلاميَّة، وما أفدحها!
وربَّما صحَّ القول بأن جانباً مهمَّاً من عوامل هذه (السلاسة) إنما يعود،
بالأساس، ليس فقط إلى قابليَّة هذا الذهن، بطبيعته، لهذين (الانتخاب)
و(التمثل)، لكن، وبذات القدر، إلى وجودنا، ضغثاً على إبالة، في التخوم من
هتين المنطقتين!
رأيي، إذن، أن العِلة الكبرى، في ثقافة الجماعة المستعربة المسلمة في
بلادنا، إنتاجاً من الواقع أو استقبالاً من الوافد، قائمة على شعبتين:
الأولى أنها نتاج (ذهنيَّة رعويَّة)، والأخرى أنها نتاج (ذهنيَّة تخوم)!
فلينظر كلُّ صاحب مشروع تنويري ما هو فاعل بشأن هتين الشعبتين!
السبت
كما السودان، أو أيُّ بلد أفريقي آخر، على وجه الخصوص، يتسم بتنوُّع
تكويناته الهويويَّة، فضلاً عن عوامل التهميش، والتناحر الطبقي، والتنمية
غير المتوازنة، وما ينتج عن ذلك من توترات عرقيَّة وثقافيَّة ودينيَّة، ظلت
نيجيريا المكوَّنة من 300 مجموعة إثنيَّة مختلفة، والتي استقلت عن بريطانيا
عام 1960م، تشهد انبثاق مختلف أشكال التعبير عن طموحات هذا التنوُّع، بما
يتفاوت بين أدنى ظواهر التململ المجتمعي، وبين أقصى درجات العنف المسلح
الذي لا يبقي ولا يذر، في ظروف العجز التاريخي لدولة ما بعد الاستعمار،
مثلما في جُلِّ هذه البلدان أيضاً، عن استيعابه باستراتيجيَّات سياسيَّة
ملائمة.
هكذا، وبرغم الفارق، لم تكن حركة (بيافرا)
التي حاولت فصل الإقليم الواقع جنوب شرقي نيجيريا كدولة للإيبو مستقلة عنها
(30 مايو 1967م ـ 15 يناير 1970م)،
والتي أسدلت القوَّات الحكوميَّة ستارها على مشهد الشوارع الغاصَّة بمئات
الجثث المنتفخة، المتفسِّخة، تتطاير حولها أرتال من النسور والذباب، هي
أوَّل الانفجارات في نيجيريا، كما أنه، وطالما ظلت حالة العجز الدَّولتي عن
تلبية هذه الطموحات تراوح مكانها، فلن تكون آخر هذه الانفجارات حركة (بوكو
حرام) التي قضي عليها، وعلى زعيمها محمَّد يوسف، في شمال نيجيريا، بذات
الأسلوب، إبان تمرُّدها لخمسة أيام خلال الأسبوع الأخير من يوليو المنصرم،
والذي راح ضحيَّته 800 من القتلى، مسيحيين ومسلمين على السَّواء!
نيجيريا، المنتجة للنفط، تعتبر البلد الأفريقي الأكثر كثافة من جهة السكان،
إذ يبلغ تعدادهم 140 مليون نسمة، نصفهم مسلمون يعيش أغلبهم في الشمال
الفقير، حيث تنشط وسط إثنيَّة الهوسا الغالبة شبكات دعويَّة على صلة ما
بحركة الاسلام السياسي في المنطقة، على عكس الجنوب الغني الذي تقطنه
أغلبيَّة مسيحيَّة من إثنيَّة اليوروبا، والجنوب الشرقي الذي يقطنه مسيحيون
صرف من إثنيَّة الإيبو.
و(بوكو حرام)، بلغة الهوسا، تعني، حرفياً، (التربية الغربيَّة حرام)،
وتعني، مجازاً، (طالبان نيجيريا)، بجامع التطرُّف الديني، وكراهيَّة الغرب
وثقافته، من طلاب لم يطل بهم أمد الابتعاد عن مقاعد الدراسة، لكنهم يعتقدون
أنهم مبعوثو العناية الإلهيَّة لإقامة ملكوت السماء، كما يتصوَّرونه، على
الأرض! ورغم أن هذا التأويل للعبارة قد يوحي بعلاقة عضويَّة وثيقة بين
(بوكو حرام) وبين (طالبان) أفغانستان وباكستان، ورغم أن الحركة النيجيريَّة
تستلهم، بالفعل، نهج طالبان، ويصلي أتباعها في مساجد خاصة بهم، ويطيلون
اللحى، وترتدي نساؤهم الحجاب، إلا أن أغلب الباحثين والمحللين يستبعدون مثل
هذه العلاقة العضويَّة. ورغم أن مصادر الحكومة النيجيريَّة ترجع تاريخ ظهور
الحركة إلى العام 1995م، إلا أن مصادر مستقلة، بحسب تقرير للـ
AFP
في 1/8/09، ترجع هذا التاريخ إلى العام 2002م، حيث أسَّسها محمَّد يوسف، في
مايدوغوري عاصمة ولاية برنو، بعد أن جمع حوله، في البداية، مئتين من الرجال
والنساء، ثمَّ ما لبث العدد أن ارتفع إلى آلاف الأنصار، قبل أن ينتقل بهم،
في 2004م، إلى قرية كاناما، لينشئوا قاعدتهم، ويشنُّوا هجماتهم على مراكز
الشرطة، في حالة من الهياج المعادي للدولة، ويعيثوا تخريباً في المباني
الحكوميَّة، والمدارس، والكنائس، بهدف تأسيس (دولة إسلاميَّة طاهرة)،
ومنفصلة، في المناطق الشماليَّة!
ولئن كانت ولايات الشمال الكبرى، كبرنو وكانو وزاريا، قد عرفت الإسلام، على
يد الدعاة الفولانيين، منذ القرن الرابع عشر، فقد خبرت برنو، بالذات،
السلطة المستقلة قبل ذلك بوقت طويل، حيث كانت مهداً لإمبراطوريَّة كانِم
برنو التي تأسست على ضفاف بحيرة تشاد عام 850م. وفي 1086 اعتنق حاكمها،
آنذاك، ماي بن عبد الجليل، الإسلام، وأقام مركزا للدراسات الإسلاميَّة،
فصارت، منذ ذلك الحين، مركزاً للتعليم الإسلامي في نيجيريا. كما قاد عثمان
دان فوديو، في 1804م، حركة أفضت، في 1808م، إلى تأسيس خلافة إسلاميَّة في
الجزء الأكبر من شمال البلاد، وهو الجزء الشمالي الشرقي، وعاصمته سوكوتو.
وظلت تلك الخلافة تبسط سلطانها هناك حتى عام 1903م، حيث أطيح بآخر خلفائها،
وقتل، على يد المستعمرين البريطانيين. ومنذ 1960م ظلت مناطق الشمال في
نيجيريا مسرحاً للعديد من الانتفاضات الإسلاميَّة التي تولى الجيش النيجيري
سحقها.
وإذن، فحركة (بوكو حرام)، مؤخَّراً، على تطرُّفها وعنفها، ليست خارج هذا
السياق التاريخي لتعبيرات المسلمين النيجيريين عن أشواق التميُّز الهويوي،
كمعادل موضوعي للتطلع إلى العدالة الاجتماعيَّة. لذا، ورغم أن أكثريَّة
مسلمي نيجيريا لا تشاطر الحركة أفكارها المتطرِّفة، إلا أنه من الطبيعي في
هذا الإطار، وفي ظروف اختلال ميزان السلطة والثروة بين الجنوب والشمال،
وبقدر ازدياد عنف الجيش وأجهزة القمع الحكوميَّة، أن يزداد، رويداً رويداً،
تعاطف قسم معتبر من هؤلاء المسلمين مع هذا النوع من التنظيمات الدَّاعية
لإقامة دولة دينيَّة مستقلة، خصوصاً مع التمدُّد اللاحق للاضطرابات إلى
ولاية بوتشي الواقعة على بعد 400 كيلومتر جنوب غربي مايدوجوري، وارتكاب
أتباع الحركة المسلحين بالمدي، والمناجل، والقنابل، وبنادق الصيد محليَّة
الصنع، أعمال شغب في عدة مدن، الأمر الذي سيهدِّد، عاجلاً أم آجلاً، وحدة
نيجيريا الوطنيَّة، وسلامة أراضيها، ويفتح الأبواب على مصاريعها أمام
(الأجندات الخارجيَّة!) الطامعة في ثرواتها.
مع ذلك فإن النظام النيجيري الذي ما برح يحدِّق في أرنبة أنفه، لا يبدو
مؤهَّلاً فكرياً، حتى الآن، للانتباه إلى أن منبع هذا الخطر كامن في ما هو
أكبر من محض الترتيبات الإداريَّة الأمنيَّة! فقد قال علي مودو شريف، والي
ولاية برنو، في اجتماع ضمَّ الزعماء الدينيين والقبليين، في عقابيل الأحداث
الأخيرة، إن "عدم إحكام الرقابة!" هو الذي سمح للداعية المتطرف محمد يوسف
بجمع الأتباع، وقيادة التمرُّد! وإنه "من المؤسف أن القانون الذي كان
موجوداً لم يطبق؛ وهذا الاسترخاء هو الذي مكن محمد يوسف من إلقاء هذا النوع
من الخطب وإثارة المتاعب"! ولذا "ينبغي إعادة تشكيل هيئة الدعوة للتأكد من
أن رجال الدين المؤهلين والموثوق بهم هم فقط هم الذين يُسمح لهم بالقاء
الخطب في المساجد والأماكن الأخرى!" (رويترز، 3/8/09). كما صرَّح مسؤولون
آخرون بأن "التدقيق" سيجري "بصورة متأنية" في "اختيار" رجال الدين
المسلمين، لمنع تكرار مثل هذا التمرُّد الطائفي (المصدر).
تلك خطة سلطويَّة/إداريَّة/أمنيَّة تنضاف، بامتياز، إلى عناصر الأزمة، لا
إلى علاجها. فما تحتاجه نيجيريا، بالأساس، هو تغيير راديكالي يؤسِّس لنظام
جديد في ما يتصل باقتسام الثروة والسلطة، نظام يرفع الفقر والغبن عن كاهل
الطبقات المعدمة، وهي أكثريَّة الشعب، في الشمال المسلم والجنوب المسيحي،
سواء بسواء؛ وبدون هذا التغيير الاقتصادي السِّياسي لن ينجح أيُّ ترتيب
مهما كان منطق القوَّة الماديَّة الذي يستند إليه، وستكون النتيجة، حتماً،
وبالاً على البلاد كلها، والشعب بأسره. أما ما تحتاجه الجماعة المسلمة
نفسها، في المقام الأوَّل، فهو نهوض أقسام متقدِّمة منها بأعباء تجذير
الوعي المغاير بأن سبب المظالم ليست الثقافة الغربيَّة، وأن (العدالة
الاجتماعيَّة) ليست صنواً لـ (الانفصال) وإقامة (الدَّولة الطالبانيَّة)؛
وأن (الإسلام) ليس نقيضاً لـ (التساكن) مع (الآخر) في إطار من (الوحدة
الوطنيَّة)؛ وأن واجب صون (وحدة الوطن) والذود عن (حياضه) و(سلامة أراضيه)
يرتقي، في الظروف الدوليَّة الراهنة، إلى مصاف (المقدَّس)؛
ولعلَّ ذلك، تحديداً، هو ما ذهب إليه السيد الصادق المهدى، على وجه الخصوص،
حين حاضر جمهور المسلمين النيجيريين بكادونا، في مطلع الألفيَّة، بالاستناد
إلى خبرة المنازلة الفقهوفكريَّة التي ظلَّ تيَّار الاستنارة الإسلاميَّة
(الوحدوي) يخوضها ضد التيَّار السلطوي (التفكيكي) باسم الاسلام في بلادنا،
سواء خلال سنوات النميري الأخيرة، أو بعد عودة هذا التيار للدفع باتجاه
نهاياته القصوى في مطالع تسعينات القرن الماضى، محذراً إياهم من مغبة
التطبيق القسرى والانفعالى للشريعة الاسلاميَّة على حساب (وحدتهم
الوطنيَّة)، مهما جاءهم من يزيِّن لهم ذلك! وضرب المهدي لهم مثلاً من تجربة
النميري، قائلاً: "لقد استقدم نميرى، فى سبتمبر 1984م، ضمن احتفاله بمرور
عام على تطبيقه الوحشى للشريعة الاسلاميَّة، بعض الضيوف من العالم الإسلامى
الذين (هنأوه) على (إنجازه)، ".. ولكن بعد سقوط نظامه دعوت فى فبراير 1987م
علماء ومفكرين من كلِّ أنحاء العالم الاسلامى .. ليأتوا ويراجعوا مغامرة
نميرى الاسلاميَّة، وبعد أن درسوها قالوا إنها معيبة فى جوهرها وصياغتها
وتطبيقها" (من محاضرة له بكادونا، تحت رعاية جمعيَّة المسلمين فى نيجيريا
فى 30/6/2001م ـ "الصحافى الدولى"، 22/7/2001م).
الأحد
للحكام العرب تاريخ طويل في بذل المال لمادحيهم من الشُّعراء والمغنين، سوى
أن لهم تاريخاً موازياً، بذات القدر، في تحقيرهم والإزراء بهم، حين ينقمون
عليهم لأتفه الأسباب، فيلجئونهم لإظهار الذلة والمهانة والوضاعة، استرضاءً
لهم، وتهدئة لخواطرهم. من ذلك ما أورد (الأصبهاني) في (الأغاني)، عن حمَّاد
بن إسحق بن إبراهيم الموصلي أنه قال: "حدَّثني أبي قال: دخلت على الأمين
فرأيته مغضباً كالحاً، فقلت له: مالأمير المؤمنين، تمَّم الله سروره ولا
نغَّصه، أراه كالحائر؟! قال: غاظني أبوك، الساعة، لا رحمه الله! والله لو
كان حيَّاً لضربته خمسمائة سوط، ولولاك لنبشت، الساعة، قبره، وأحرقت عظامه!
فقمت على رجلي وقلت: أعوذ بالله من سُخطك يا أمير المؤمنين! مَن أبي، وما
مقداره، حتى تغتاظ منه؟! وما الذي غاظك فلعلَّ له فيه عذراً؟! فقال: شِدَّة
محبته للمأمون .. حتى قال في الرَّشيد شعراً يقدِّمه فيه عليَّ ..
وغـُنِّيته، الساعة، فأورثني هذا الغيظ! فقلت:والله ما سمعت بهذا قط، ولا
لأبي غناءٌ إلا وأنا أرويه، ما هو؟! فقال: قوله (أبُو المَأمُون فِينا
والأمِين/ له كَنَفان من كرم ولين)! فقلت له: يا أمير المؤمنين لم يقدِّم
المأمون في الشِّعر لتقديمه إياه في الموالاة، ولكنَّ الشِّعر لم يصحَّ
وزنه إلا هكذا! فقال: كان ينبغي له، إذا لم يصحَّ الشِّعر إلا هكذا، أن
يَدَعه إلى لعنة الله! فلم أزل أداريه وأرفق به حتى سكن. فلما قدِمَ
المأمون سألني عن هذا الحديث فحدَّثته به، فجعل يضحك ويعجب منه"!