الحزب الشيوعي العراقي في  ذكرى تأسيسه الرابعة والسبعين

سلاماً حزب النضال والأمل

في مثل هذه الايام من كل عام تحل علينا ذكرى غالية على قلوب الشيوعيين العراقيين و اصدقائهم ومحبيهم من ابناء شعبنا، ومناضلي الحركة الديمقراطية العراقية، التواقة الى غد جديد خال من الاستغلال و الاضطهاد و كل اشكال التمييز، ذكرى تاسيس حزبنا الشيوعي العراقي، الذي ارست لبناته  الاولى في الحادي والثلاثين من آذار عام 1934 مجموعة من المناضلين الغيورين على وطنهم والمتحسسين لنبض شعبهم ومعاناته وتوقه الى التحرر والانعتاق من الظلم والحرمان والاستغلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي. كوكبة من الرافضين للاوضاع الاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة انذاك، الحالمين بالتغيير والعدالة الاجتماعية في مستقبل اشتراكي مزدهر وواعد للبشرية جمعاء، يتصدرهم قائد وطني جسور، قائد  من طراز جديد مفعم بالحماس والروح الوطنية العراقية الاصيلة هو يوسف سلمان يوسف (فهد).

ومع بشائر الولادة في ذلك الربيع الثلاثيني ولد مشروع الحزب الوطني التحرري الديمقراطي بآفاقه المستقبلية، المشروع الرامي الى الخلاص من اغلال السيطرة الاجنبية و نيل الاستقلال الوطني الناجز، والغاء المعاهدات غير المتكافئة مع المحتل البريطاني وازالة القواعد العسكرية الاجنبية، وبناء نظام حكم برلماني دستوري ديمقراطي في ظل دولة مدنية عصرية، وإزالة الاستغلال وعدم المساواة الاثنية والدينية والطائفية بين ابناء الوطن العراقي الواحد، ومساواة المرأة بأخيها الرجل، واحتضان المبدعين والاكاديمين وعموم المثقفين، والاقرار بدور الثقافة المتميز في المجتمع، وتخليص الفقراء والكادحين وعموم ذوي الدخل المحدود من حالة الضياع والاغتراب داخل وطنهم، وإطلاق طاقات الانسان وتحريرها من قيود الواقع الاجتماعي المتخلف والعلاقات الإنتاجية الاستغلالية.

ومنذ اللحظات الاولى لتلك الولادة الميمونة، حرص الحزب على تمثل روح المواطنة العراقية و مباديء الوحدة الوطنية الاصيلة لابناء شعبنا بمختلف انحداراتهم ومعتقداتهم الفكرية والسياسية وتلاوينهم القومية و الدينية و الطائفية، وجسد ذلك بشكل مبدع و خلاق في بنائه التنظيمي الأممي وترجمه في برامجه واهدافه وشعاراته، هذا البناء الذي ظل شامخاً ومتالقا حتى يومنا هذا بكل الوان الطيف الاجتماعي والثقافي العراقي الزاهية. حيث ضمت منظماته، وماتزال، العرب والكرد والتركمان والكلدان الاشوريين  السريان والأرمن والصابئة والآزيديين، مثلما ضمت ابناء كل الديانات والطوائف التي يتشكل منها المجتمع العراقي.

كما تجسدت اممية الحزب ايضا من خلال الربط الجدلي بين نضاله الوطني المتفاني و التضامن الانساني مع كل الشعوب التواقة للتحرر من السيطرة الاستعمارية وتقرير مصيرها بنفسها والتقدم على طريق الديمقراطية و التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية، وفي النظر الى نضال الشيوعيين العراقيين باعتباره رافدا من روافد الحركة الشيوعية والثورية العالمية وظهيرا لحركة التحرر الوطني والديمقراطي في العالم العربي ولعموم حركات التحرر الوطني والاجتماعي- الديمقراطي في المنطقة والعالم.

وعلى مدى سنوات من تاريخه المديد، تصدر الحزب و قاد النضالات الجماهيرية السياسية والاقتصادية و المطلبية. وظل الحزب حريصا خلال كل الوثبات والهبات والمنازلات الجماهيرية التي شهدها التاريخ المعاصر لشعبنا على التنسيق والتحالف مع القوى الوطنية الديمقراطية وبناء الجبهات الوطنية معها، ايمانا منه باهمية تلك التحالفات وضرورتها لتمكين الشعب بكل طبقاته وفئاته الاجتماعية من تحقيق مطالبه واهدافه الوطنية الديمقراطية العادلة. وحرص الحزب في كل ذلك ان يبقى امينا على ترجمة شعاره المتجدد دوما، الذي اطلقه باني الحزب الرفيق فهد، شعار " قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية"، هذا الشعار الذي ما يزال يحتفظ باهميته وراهنيته حتى اللحظة الحالية التي تمر بها بلادنا.

ومنذ السنوات الاولى لنشأته، أولى الحزب اهتماماً كبيراً في نشاطه ونضاله لأطلاق اوسع حركة جماهيرية اجتماعية ديمقراطية. فمن جانب  وجه منظماته واعضاءه للاهتمام بالعمل الجماهيري المطلبي والاندماج بالجماهير والدفاع عن مصالحها وحقوقها، ومن الجانب الآخر دعم تشكيل المنظمات الطلابية والشبابية والنسائية المستقلة والاتحادات والنقابات العمالية والفلاحية والمهنية المختلفة للمعلمين والحرفيين والمحامين والصحفيين والمهندسين والاطباء والادباء والفنانين غيرها من منظمات المجتمع المدني، التي اتسعت كثيرا وتنوعت غداة سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان عام 2003 بعد ظهور منظمات غير حكومية جديدة،  حتى بات لـ "منظمات المجتمع المدني" اليوم دورها في الحياة العامة لبلادنا.

وبقدر ما تيقنت جماهير الشعب على اختلاف انتماءاتها القومية والدينية والطائفية، خصوصا الكادحين والمثقفين وعموم المتنورين، من مصداقية الحزب الشيوعي، ودأبه اللامحدود في الدفاع عن مصالحها، وتلمست النزاهة والاستقامة والاستعداد للتضحية والعطاء في سلوك اعضائه والمناصرين لأفكاره وقيمه، بقدر ذلك منحته هذه الجماهير ثقتها ورفدته على مدى أكثر من سبعة عقود بخيرة بناتها وابنائها.

في مقابل ذلك وجد اعداء الشعب على اختلاف تلاوينهم  في الحزب الشيوعي عدوا خطيراً ونداً عنيداً، لذلك لم يكن مستغربا ما تعرض له الحزب على ايدي الانظمة الدكتاتورية والاستبدادية المتعاقبة من ملاحقات وحملات تصفية شرسة طالت منظماته والآلاف من اعضائه واصدقائه، بضمنهم المئات من قادته وكوادره الميامين: فهد، حازم، صارم، سلام عادل، جمال الحيدري والآلاف  من رفاقهم الآخرين.

و كانت اقسى تلك الحملات واشدها وطأة هي اعدام قادة الحزب وبُناته الشجعان عام 1949، وتلك التي اقترفها انقلابيو شباط الاسود عام 63 و الجرائم الوحشية التي لحقت بالحزب و بالشعب عموما في الحقبة الصدامية الفاشية المقيتة، ولاحقاً على ايدي القوى الارهابية الآثمة.

يا أبناء شعبنا العظيم  

تمر بلادنا اليوم بواحدة من اصعب مراحل تطورها واعقدها، وتواجه قوى شعبنا الوطنية تحديات جسيمة. ويأتي في مقدمة هذه التحديات تمكين شعبنا من اعادة الأمن والاستقرار في ربوع الوطن وتأمين شروط ومستلزمات التعجيل بالجلاء التام للقوات الأجنبية وتصفية تركة الاحتلال وتحقيق السيادة والاستقلال الناجزين، سيما وقد بدأت هذه الأيام مفاوضات بين العراق والولايات المتحدة لتوقيع اتفاقية هدفها الأساس تنظيم تواجد القوات الأمريكية في العراق بعد انتهاء العمل بقرارات مجلس أمن الأمم المتحدة.

وتتشابك متطلبات مواجهة هذا التحدي مع تحقيق طائفة من المهمات السياسية الوطنية والديمقراطية وأخرى اجتماعية واقتصادية، يتوقف على النجاح في حلها من قبل القوى الوطنية الكثير من مصير المسيرة السياسية و مآلها وفي تحديد ملامح عراق المستقبل.

فاليوم تقف القوى الوطنية، خصوصا المشاركة منها في العملية السياسية، أمام امتحان حاسم لقدرتها على اعادة بناء الدولة العراقية الجديدة على اسس مدنية عصرية ديمقراطية، و تجاوز حالة الاستعصاء السياسي والاجتماعي التي تحكمت بالمسيرة السياسية التي دشنها شعبنا منذ سقوط النظام الاستبدادي قبل خمس سنوات. ذلك الاستعصاء الذي قادت إليه سياسة المحاصصة المدانة، و محاولات الاستئثار بالسلطة و المكاسب، وضعف الثقة الكبير بين الشركاء والفرقاء المنخرطين في هذه العملية.

ولا شك ان جوانب الخلل والضعف التي تعاني منها العملية السياسية وعدم النجاح في معالجتها حتى الآن وما يترتب عليها من انقسامات واحتقانات سياسية ضارة، يلقي بظلاله على الحكومة ويضعف قدرتها في الأداء، كما يشجع القوى الخارجية على التمادي في تدخلاتها في شؤوننا الداخلية وانتهاك حرمة الوطن وسيادته والعبث بأمنه.

وإلى جانب ضرورة مضاعفة الجهود للتعجيل في بناء القدرات العسكرية والأمنية العراقية، واستكمال تسليحها وتجهيزها وتدريبها، يترتب على الحكومة، وعلى القوى الوطنية عموماً، الاسراع في استثمار النجاحات الامنية والعسكرية الهامة، ولكن غير النهائية، التي شهدتها بلادنا، خصوصا منذ اوائل الصيف المنصرم، والتي تحققت في معركة الشعب وقواته المسلحة الباسلة ضد تنظيمات القاعدة وفلول الصداميين والارهابيين الآخرين و دعاة الحرب الطائفية، وفي السعي، بموازاة ذلك، لمعافاة الاوضاع السياسية والاجتماعية وتخليصها من ترسبات الحقبة الصدامية الاستبدادية وتركتها الثقيلة وانصاف ضحاياها وحل مشكلة المهجرين والعمل لوضع حد لأية تجاوزات وانتهاكات لحقوق الانسان تقوم بها الاجهزة الأمنية والعسكرية العراقية  أو قوات الأحتلال.

 و نرى ان الطريق الى ذلك يمر عبر الدعوة الى اطلاق حوار وطني شامل للوصول الى مصالحة وطنية حقيقية، مدعومة بحركة اجتماعية ديمقراطية واسعة وجبهة سياسية واجتماعية شاملة تقود البلاد الى شاطيء السلم والأمان والتطور الاجتماعي والاقتصادي، كما أكد على ذلك المشروع الوطني الديمقراطي الذي اطلقه حزبنا في آب من العام الماضي. كما ان  الحكومة مطالبة بتنفيذ وعودها بحل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة.

وثمة آفة كبرى ذات امتداد ونمو سرطانيين باتت تهدد حاضر البلاد ومستقبل وجودها، تتمثل بالفساد المالي و الاداري، صنو الارهاب و توأمه، الذي اورثه لنا العهد الصدامي البغيض، والذي اتسع وانتشر بشكل مخيف في مفاصل الدولة المختلفة وفي اعلى مراتبها خلال السنوات القليلة الماضية.

وفي هذا الشان نطالب، مع الملايين من ابناء شعبنا، الحكومة العراقية بالكف عن حالة الانتظار والترقب، وبالتوجه الجاد و الحازم لتنفيذ الوعود التي اطلقتها عشية العام الحالي باعتبار عام 2008 عام الاعمار ومحاربة الفساد واستئصال شأفته من الدولة والمجتمع، لحماية المال العام وثروات الشعب من عبث العابثين والفاسدين.

وفي خضم هذا المخاض العسير الذي تعيشه بلادنا، تشتد المعاناة الحقيقية التي يواجهها المواطنون، خصوصا الفقراء والكادحين وعموم ذوي الدخل المحدود منهم، في الحصول على الحد الادنى من الخدمات الاساسية وبما يتناسب مع مداخيلهم، كالماء والكهرباء والوقود والسكن والنقل والخدمات الطبية وغيرها. وفي هذا الجانب ايضا ينبغي على الحكومة اتخاذ كل الاجراءات الضرورية للحد من التفاوت المتنامي بين الدخول الشحيحة للمواطنين و الارتفاع المستمر في اسعار و اجور الخدمات.  ويتطلب هذا، فيما يتطلبه، المحافظة على البطاقة التموينية وتحسين مفرداتها وإعادة بناء شبكة الضمانات الاجتماعية على اسس عصرية جديدة  علمية و متطورة.

 

 

 

الى جانب هذه المهام والتحديات التي تنتصب امام شعبنا وقواه الوطنية، ثمة مسؤولية خاصة  تقع على كاهل القوى والاطراف الديمقراطية، والتي يجب ان نعترف ان نشاطها ودورها مايزال دون مستوى الطموح ودون مستوى متطلبات الظرف الذي نمر به وتحدياته. وهو ما دفعنا مؤخرا لتنشيط اللقاءات والحوار مع الآخرين من قوى التيار الديمقراطي للبحث في كل ما من شانه تفعيل قوى هذا التيار، ومشاركة الحزب في اطلاق نداء "مدنيون ديمقراطيون" لبناء الدولة الديمقراطية المدنية. ونتوجه لتوسيع هذه الحملة وصياغة رؤى أو برنامج خاص بها، وضم أطراف جديدة اليها وتوسيع فعالياتها بما يتناسب والدور الذي ينتظره الشعب من القوى الديمقراطية.   

إن حزبنا الشيوعي العراقي، وهو يحتفل بالذكرى الرابعة والسبعين لتأسيسه، يجدد ثقته اللامحدودة بقدرة شعبنا وقواه الوطنية والديمقراطية على تجاوز الصعوبات، ويدعوها لشحذ الهمم والتنظيم ويهيب بها لتوسيع نشاطها الجماهيري لتلعب دوراً مؤثراً أكبر في الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد.   

- عاشت الذكرى الرابعة والسبعون لتأسيس حزبنا الشيوعي العراقي.

- المجد لشهداء حزبنا والحركة الوطنية

- النصر لشعبنا وقواه الوطنية من اجل بناء عراق ديمقراطي فدرالي موحد.

 

    اللجنة المركزية

                                                                                    للحزب الشيوعي العراقي

أواخر آذار 2008                                 

 

فهرس الأخبار