محن السياسة السودانية : زيارة الدكتور حسن الترابي الي جوبا
حامد بشري / أتوا hamidbushra@yahoo.com
رأيت كما يري النائم مشهد أستقبال زيارة الدكتور حسن الترابي لجوبا. لم أُصدق حفاوة الاستقبال وكثرة الآيادي الممدودة للمصافحة وفي بعض الأحيان تخيل لي أن بعض المستقبلين يسعون لتقبيل يد الشيخ أذا سنحت لهم الفرصة . قارنت هذا المشهد بمشهد مشابه في بداية تسعينات القرن الماضي حينما كان نفس هذا الرجل في زيارة لغرب أوربا وأمريكا وكندا . أُستقبل بهتافاتٍ معارضة وشعاراتٍ مضادة تندد بسياساته وخاصة حرب الجنوب وأسلمته وفي بعض المدن لم يقف التنديد برفع الشعارات وأنما أمتد للقذف بالبرطوش وأخيراً تطور الي حد الضرب في أتوا.
بوصول الشيخ الي جوبا كنت أتوقع منه أن يعتذر الي شعوب وقبائل الجنوب عن المجازر والأهوال والحروب التي تسبب فيها هو وخليفته علي وتابعهم البشير بحكم أنهم كانوا المحرضين الأساسيين لها . كنت أتوقع أن يترحم علي أرواح الشهداء و" يشيل الفاتحة" . توقعت كذلك بأن يعتذر المؤتمر الشعبي ممثلاً في قيادته حسن الترابي في تطبيقه للشريعة الأسلامية وعقوباتها الحدية علي مواطني الجنوب المسيحيين وأسر الشهداء الذين أعدموا والذين بُترت أعضائهم والذين زُج بهم في السجون والقائمة تطال جميع من مسهم ضرر من جراء سياسة الدولة التي كان هو علي رأسها .
أُصبت كذلك بدهشة أُخري حينما رأيت د. رياك مشار يبتسم للشيخ ويمزح معه " نورت جوبا". هل حقيقةً صدقت مقولته التي صرح بها في أحدي مقابلاته الأعلامية بأن الشعب السوداني ذو ذاكرة ضعيفة . أذا كان الترابي نور جوبا فالحركة الشعبية أظلمت أحياء جوبا بحفاوة الأستقبال الذي وجده الترابي . توقعت أن يرد الترابي عل أقلها بكلمة" شكراً" ولكن حتي هذه لم يفتح الله عليه بها . هذا الاستقبال يعبر عن عدم أحترام لشهداء الحركة وأسرهم . قبل أسابيع قليلة رأينا في الفضائيات كيف وقف العالم الغربي وسُيرت المواكب ورفعت الشعارات ضد أطلاق سراح المواطن الليبي محمد المقرافي . المقرافي هو المتهم الأساسي في قتل ركاب الطائرة المعروفة بلوكربي والذي تسبب في قتل حوالي 300 شخص . أطلاق سراحه مثل أستفزازاً للضحايا وأسرهم وخلق موجة من الغضب أجتاحت الضمير الأنساني بصورة عامة . مابالك من الأستفزاز الذي يسببه الأستقبال الرسمي لشخصٍ تسبب في حرب أُودت بمئات الآلاف من الضحايا . الحركة الشعبية ناقشت مع الشيخ التعداد والأحصاء والأنتخابات الأ أنها لم تناقش موضوع تعويضات أُسر الضحايا الذين تسبب فيهم شخصياً حسن الترابي . حكومة السودان دفعت تعويضات لأسر ضحايا المدمرة الأمريكية "كول" التي تعرضت للهجوم في شواطئ اليمن من قبل عناصر القاعدة بحجة أن هؤلاء تم تدريبهم في السودان حينما كان الترابي يرسم ويخطط السياسة السودانية ، ما المانع من مطالبة الترابي أو حزبه أو حزب البشير بدفع تعويضات لأسر الضحايا السودانيين .علاوة علي أنه الي الآن نري كيف تطارد العدالة الدولية مجرمي النازية الذين كانوا يتوهمون أفضلية عرقهم الآري علي بقية الأجناس . الترابي يري أفضلية دينه علي بقية الأديان الأخري وسفك في ذلك دماء الأبرياء ولا زال حراً طليقاً .
زرع ثقافة السلام لا تعني بأي حال أستقبال حسن الترابي بألاحضان في جوبا وأنما تعني ضمن أولوياتها تشيد متحفاً بجوبا يصور مآسي والآم الحرب يضم صور الضحايا أوعلي الأقل أسمائهم حتي تكون ذكراهم خالدة وحتي نمنع تكرار هذه المأساة في أقاليم أخري من الوطن . ثقافة السلام تعني تنفيذ بناء صرح الجندي المجهول كما تعني أنشاء حديقة في مدن الجنوب المختلفة تحمل أسماء الشهداء وكذلك أنشاء صندوق لأسر الضحايا . حجة التكلفة الباهظة لهذه المشاريع حجة مردودة مقارنة بتكلفة سفر الوفود التي تزور واشنطن أو تكلفة الدبابات ألاوكراينية أو ميزانية مكاتب الحركة التي أفتتحت في الخارج لتوازي سفارات الدولة . أذا تم العفو عن حسن الترابي في كل المجازر التي تسبب فيها في الجنوب والغرب بناءً علي نيفاشا التي لاترضي الحركة المساس بها أو تعديلها فما الذي يمنع منح ذات العفو للسيد رئيس الجمهورية فيما أرتكبه من جرائم في دارفور؟
وأذا كنا نحن شعب متسامح لهذه الدرجة في جنوب القطر نستقبل ونستضيف الذي ذبح واستباح وحلل وحرم فلماذا نطالب بالانفصال من شعب الشمال الذي نعلم تماماً أن لا ذنب له في أختيار هؤلاء الحكام الذين أرتكبوا كل هذه الجرائم .