محن السياسة السودانية

الأمين العام لجهاز تنظيم شئون السودانيين العاملين بالخارج

 

حامد بشري hamidbushra@yahoo.com

احتوي بريدي الألكتروني علي رسالة من مكتب الجالية بأتوا وهي عبارة عن ملحقات لرسالة موجهة من السفارة السودانية لرؤساء الجاليات لتعميمها علي العضوية . اضافة الي خطاب السفارة احتوت الرسالة علي صورة من خطاب السيد الأمين العام لجهاز تنظيم شئون العاملين بالخارج الدكتور كرار التهامي بالرقم ج ت ش س ع خ/17/ب/2 بتاريخ 9/9/2009 م ومرفقاته بشأن تشكيل المجلس العالمي للخبرات والكفاءات السودانية بالخارج . مهمة مكتب الجالية اقتصرت علي ارسال هذا الخطاب للعضوية المسجلة بالسجل الألكتروني للمكتب من دون اضافة أو تعليق وهذا في رأيي مبعثه موقف الجالية بعدم التعرض كلياً للمواضيع السياسية مما يعني ضمنياً عدم تبني آراء السفارة أو الترويج لسياسة المعارضة . الموضوع الذي سأتطرق له في هذا المقام لا يتعرض لفلسفة مكتب الجالية وانما لمناقشة خطاب الأمين العام الدكتور كرار التهامي الموجه لسعادة سفير السودان بكندا بواسطة وكيل وزارة الخارجية وكذلك لائحة تشكيل المجلس العالمي للخبراء والكفاءات السودانية بالخارج.  نص الخطاب:

"تعلمون أخي الكريم بأن هنالك خبرات سودانية سامقة يشار اليها بالبنان في كل بلاد المهجر وبما أننا قد آلينا علي أنفسنا خلال المرحلة المقبلة بتعزيز التواصل معها بغية السعي الواثق والدؤوب لنقل معارفها وخبراتها للوطن بكل الوسائل المتاحة فقد استقر الرأي علي البدء في تشكيل المجلس العالمي للخبرات والكفاءات السودانية بالخارج احدي توصيات ورشة العمل التي انعقدت علي هامش مؤتمر السودانيين العاملين بالمنظمات ومؤسسات التمويل الدولية والاقليمية الثاني بالخرطوم من 7-9 يناير 2009 م وفق رؤي نهتدي ونستعين بكل المبادرات والتجارب السابقة والمجلس في تقديرنا يتكون بحسب اللائحة الهادية (مرفق) ، علي مجالس فرعية لكل دولة مهجر وقد يكون له مجالس فرعية  بحسب المناطق والتقسيمات الأدارية لكل منطقة ." عليه نرجو التكرم بتذويدنا بمقترحكم حول أفضل السبل لتشكيل المجلس حتي نتمكن من التشاور حولها ومن ثم البدء في تشكيله ونري في ذلك النأي به عن الصراعات التي قد تطرأ هنا وهنالك وتوجيه كل الجهود لجعله وعاءاً احترافياً ومهنياً لكل سوداني راغب في تقديم عمله وخبرته لصالح الوطن الأمر الذي يسهل علينا من بعدئذ مهمة التعريف وتسويق خبرتنا السودانية المجهولة بدول المهجر المختلفة للجهات الراغبة في السودان مما يدعم برامج العودة الطوعية بشكل أو بآخر .        

نثق في أيلاء الأمر عنايتكم الشخصية .

وتفضلوا بقبول وافر الشكر والتقدير

د. كرار التهامي

الأمين العام

            

انتهي خطاب الأمين العام

بدأ الخطاب بداية موضوعية بالاعتراف بوجود خبرات سودانية في كل بلاد المهجر والدعوة لتعزيز التواصل معها بغية نقل معارفها للوطن ، الا أنه لم يطرح أو يجيب علي السؤال الأساسي وهو : ما هي الأسباب التي أدت الي وجود هذه الخبرات خارج الوطن ؟ ونتبعه بسؤالٍ فرعي آخر هل ياتري يملك السيد الأمين العام احصائية ولو تقريبية عن عدد السودانيين الذين يخاطبهم ومستوي تأهيلهم والأسباب التي أدت الي تشريدهم في كل القارات ؟ قد نتفق جميعاً في أن السبب الرئيسي لوجود معظم هذه الكفاءات خارج الوطن يعود بالدرجة الأولي الي سياسة الاحالة للصالح العام التي نفذتها حكومة الانقاذ الوطني وخاصة في بداية حكمها اضافة الي ممارسة المحسوبية تحت ظل الحكومات الديكتاتورية هذا علاوة علي البيروقراطية التي أسهمت بدورها في هجرة العقول .  سأتعرض بالتفصيل للصالح العام لأن دوره في الهجرة هو الأكبر وآثاره المباشرة لازالت ملموسة ونسبة كبيرة من ضحاياه لا زالوا علي قيد الحياة مد الله في أيامهم.    

الصالح العام عني بتشريد كل الكفاءات التي لا تدين بالولاء لبرنامج حكومة الانقاذ أو المشروع الحضاري . التشريد يعني ازاحة الشخص من وظيفته ، حرمانه من حق العمل في القطاعين العام والخاص ومضايقته في ممارسة أي مهنة تعود عليه بعائد مادي ومن ثم الاسهام المباشر في اضعافه نفسياً وسيكولوجياً الشيئ الذي يتسبب في تعرضه للأمراض التي تصل حد الاعاقة والموت البطئ. الاحالة للصالح العام  مضارها لا تشمل فقط الفرد الذي يُراد عقابه وانما تمتد آثارها وتداعياتها لتشمل الزوجة والأطفال مما يؤدي الي زعزعة الأسرة وتشتيتها واصابة المجتمع بألامراض الاجتماعية المختلفة الناتجة من جراء هذه السياسة كما في حالة الهجرة والتي لا زالت آثارها الضارة تعاني منها معظم الأسر السودانية بالداخل والخارج علي السواء. فوق هذا حرمان الدولة من أخذ استحقاقاتها التي تتمثل في رد المعرفة والتأهيل المُكتسب اضافةً الي اضعاف بنية الخدمة المدنية بازاحة التأهيل ليحل محله الولاء والمحسوبية . الصالح العام والتشريد يعدان خرقاً صريحاً لمبدأ حق الأنسان في العيش الكريم وهي جريمة لا تقل عن الابادة الجماعية . الفئة الوحيدة التي استفادت من هذه السياسة هي عضوية تنظيم الجيهة الاسلامية القومية بشقيه الوطني والشعبي.                                                  

 وقبل النظر في موضوع الكفاءات التي أستقرت في بلدان المهجر نطرح سؤالاً آخر :هل حقيقةً استفادت الدولة من جميع الكفاءات الموجودة بالداخل وأعادت النظر في قرار الاحالة للصالح العام وأرجعت المفصولين الي مواقع عملهم ؟ أكاد ان أجزم بأن أي حديث عن الاستفادة من الخبرات السودانية في الخارج واهمال جيوش المشردين بالداخل وعدم رد الاعتبار للخدمة المدنية ومؤسساتها يعد عبثاً ومضيعة للوقت والجهد .  الكفاءات التي اكتسبت خبرات عالمية تريد أن تسهم بمعرفتها في وسط ديمقراطي وبيئة عمل صحية واحساس ويقين داخليين بأن هذا العطاء موجه لمصلحة المجتمع وليس افقاره . آخر اهتماماتها وهمومها هو العائد المادي . هؤلاء رأوا بأم أعينهم في دول الاستكبار كيف يتبرع الأطفال دون سن العاشرة والذين لا تربطهم صلة رحم أو دم بأرض الجدود بوجبة افطارهم لأطفال دارفور ويجمعون التبرعات لمحاربة المجاعة في أثيوبيا ومساعدة ضحايا الفيضانات في شرق آسيا.

وبالرجوع الي الخطاب المُرسل من الأمين العام نجد أنه أهمل متعمداً أن يعتذر من قريب أو بعيد للسياسة الخاطئة التي تسببت في التشريد أو التسويف في قرار اعادة المفصولين تعسفياً . اضافة الي أن كوادر الخارج التي يخاطبها الأمين العام اليوم لم تأت من كوكب المريخ وانما رضعت من ثدي أمهات ولدوا بكاب الجداد وقلع النحل وأم كدادة ولا تختلف كثيراً عن جيوش المشردين في الداخل الا في المعرفة التقنية المكتسبة من التعامل مع العالم الخارجي لذا محاولة استدراجها من دون الرجوع الي الأسباب الحقيقة التي أدت الي هذه الحالة المتردية للوطن قد لا يعود بالعائد المرجو من هذا النداء.

 وباقتباس جزء من الخطاب عاليه " وبما أننا قد آلينا علي انفسنا.......فقد أستقر الرأي علي البدء في تشكيل المجلس العالمي  للخبرات والكفاءات السودانية بالخارج احدي توصيات ورشة العمل التي انعقدت بالخرطوم .........والمجلس في تقديرنا يتكون بحسب اللائحة الهادية (مرفق) ، علي مجالس فرعية لكل دولة مهجر وقد يكون له مجالس فرعية بحسب المناطق والتقسيمات الادارية لكل منطقة " . بما أن الخطاب مُوجه الي قطاع معروف فأنه من الواجب أن يكون الفاعل معرفاً بالألف واللام وغير مبني للمجهول حتي تكون الصورة واضحة وتسهل مخاطبتة. يتضح كذلك أن هذا هو المؤتمر الثاني الذي يناقش قضايا السودانيين العاملين بالخارج وهنالك توصيات تمت اجازتها تخُص هؤلاء العاملين وهم آخر من يعلم بها ناهيك عن الجهة التي اختارت الممثلين والأجندة التي نُوقشت . الشفافية في هذه الأجندة ووضع معايير الاختيار للممثلين في هذه المؤتمرات يعد من أهم المقاييس لانجاح هذه اللقاءات وتفعيل توصياتها.                                                                          

طلب الأمين العام تزويده بمقترحات حول أفضل السبل لتشكيل المجلس حتي يتمكن من التشاور حولها ومن ثم البدء في تشكيله .  أري أن أفضل السبل لتشكيل المجلس تعني مناقشة طرح الأطار العام ، هذا المدخل الديمقراطي قد تم اغلاقه قبل أن يُفتح أصلاً اذا علمنا أن الاطار العام لهذا المجلس العالمي قد تمت أجازته من قبل السيد الأمين العام حتي قبل أن نطلع عليه . الخطاب يحمل روح نداءً لكل سوداني راغب في تقديم علمه وخبرته لصالح الوطن في اللحاق بركب هذا المجلس الأمر الذي يسهل عليهم كما ورد مهمة التعريف وتسويق خبرتنا السودانية المجهولة بدول المهجر المختلفة للجهات الراغبة في السودان مما يدعم برامج العودة الطوعية بشكل أو بآخر .                                            

 الشيء  المدهش والذي يسترعي الأنتباه هو فكرة التسويق التي عودتنا عليها الأنقاذ  بدون ضوابط ولوائح . هل يُفهم ضمنياً من هذه الفقرة أن هذا الجهاز الذي اذا كُتب له النجاح وضم العاملين بالخارج الذين يفوق عددهم عدد مواطني جنوب القطر سينافس بيوت الخبرة  المحلية أو بالأصح سيبتلعها بامكانياته غير المحدودة وسيتحول الي وزارة تتولي مهمة السمسرة وبيع البضاعة . في هذه المرحلة كما ذكرت المطلوب من الكفاءات المغتربة دعم ورد الاعتبار لمراكز البحوث العلمية السودانية والجامعات والمعاهد العليا . الاسهام في عودة مجلس الأبحاث الاقتصادية أو الزراعية أو معهد البحوث والاستشارات الصناعية أو مستشفي سوبا أو السكة حديد هو الأولوية والمطلب القومي قبل البدء في التسويق والبيع والشراء والخصخصة التي نعلم جميعاً أن هذا هو مجال كوادر الحزب الحاكم من دون منافس وهذا هو جزء مكمل للسياسة الشمولية التي أتبعتها حكومة الانقاذ طيلة العشرين عاماً الماضية.الحديث بخصوص خبرتنا السودانية المجهولة بدول المهجر غير دقيق ويفقد الاحصائيات التي تدعم هذا الرأي . نتفق مع الرأي القائل أنه في بعض الحالات بغرب أوربا والأمريكتين توجود شروط شبه تعجيزية لاستقدام العمالة الخارجية في مجالات مهنية معينة اضافةً الي الأزمة الاقتصادية العالمية التي فاقمت المشكلة الا أن الثابت في هذه الدول لا توجد احالة للصالح العام بسبب عدم تأييد سياسة الحزب الحاكم أو عدم الولاء للحزب المسيحي الديمقراطي أو الحزب الاشتراكي.                                             

أما اللائحة (الهادية) التي أتت كملحق لهذه الرسالة فحدث ولا حرج . لم أستطع أن أتبين الي أي شيئ تهدي . اضافة الي أنها تعكس بوضوح الذهنية الانتهازية والتردى الأخلاقى السائد وسط مؤسسات الدولة السودانية ، مثلاً المادة السابعة والتى تقرأ "لكل خبير تنطق عليه المواصفات المذكورة فى المادة الثالثة لهذه اللائحة الحق فى الحصول على بطاقة خبير التى تميز حاملها بإمتيازات خدمية حسب رغبته"  هذه دعوة لترسيخ ثقافة الحظوات وسط النخبة وزيادة الفوارق الطبقية التي أضعفت نسيجنا الاجتماعي وساعدت في تفشي الجريمة وأبعدتنا عن الاسلام .

كما نقرأ حول سلطات الأمين العام لجهاز تنظيم شئون العاملين بالخارج الحق في "حل أى مجلس فرعى بأى دولة وحل المجلس العالى للخبرات والكفاءات السودانية بالخارج" . الجمعيات التعاونية لا تُحل بجرة قلم ناهيك عن مجلس عالمي يضم خبراء وكفاءات عالمية .

 وفوق هذا نجد أنها حوت علي أخطاء لغوية ونحوية اضافة الي الصياغة الركيكة .  فمثلاً لأول مرة أجد لائحة تضم أكثر من أسم لتنظيم واحد كما ورد علي صفحتها الأولي:

المادة الأولي :                                                                                        

أسم المجلس: يسمي هذا المجلس :                                                                    

1. المجلس العالمي للخبراء والكفاءات السودانية بالخارج                                             

2. المجلس العالمي لشراكة التقنية ونقل المعرفة عبر السودانيين العاملين بالخارج                   

وفي المادة الثانية تحت العنوان البارز تعريف ومصطلحات تحت الرقم 4 الكفاءة :                    

هو الشخص الذي يتميز بخبرة واسعة أو مقدرة في مجال عمل مهني أو غيره في فترة لا تقل عن    

1-10 سنوات. وهذا غيض من فيض.                                                                  

هذه الرسالة واللائحة تحكي في صمت حال التعليم والخريج والخدمة المدنية في عهد الأنقاذ . عزيزي القارئ يزيد الأمر ضغثاً علي إبالة حينما تعلم أن السيد الأمين العام الذي عين بدرجة وزير ويدعو للعودة الطوعية للوطن هو مواطن كندي بلحمه ودمه وعظمه يعيش معنا بتورنتو ويحمل الجواز الكندي وأبنائه يتعلمون بالمدارس والجامعات الكندية وأن درجة الوزير التي يتمتع بها لم تحفزه بالتخلي عن الجواز الكندي والعودة الطوعية للوطن كما دعا لها في رسالته وأصبح حاله مثل حال الدكتور الشوش والدكتور قطبي والدبلوماسي محمد محمد خير .                                            

10/10/09                         

فهرس الأخبار