طار بي حبلو حلق..

 

أبوعبيدة الماحي

 

(أينما وليت

ثمة وجه للحزن

ودعوة للغضب

أينما وليت، ثمة وجه للوطن )

إبراهيم أصلان "خلوة الغضبان"

الأستاذ عبد الخالق محجوب طريقة عبد الخالق في الاقتراب الفذ من واقعنا كانت "مغامرة" خطرة. قلت مغامرة بالرغم من النصوص والاجتهادات الكثيرة التي تؤكد شرعيتها في كلاسيك الفكر الماركسي واستحداثاته اللاحقة. فحداثتها أو جدتها في جهد الاقتراب آنذاك كانت هي المغامرة وسط عالم الاتهام الجزافي في وسم هذا النوع من التفكير المبدع بالانحراف والبعد عن جادة الطريق كأن هناك نظرية في الدنيا يمكن أن تتطور وتنمو وتخضر خارج حقل الممارسة والتي تعني في وجه من الوجوه الخطأ وتجاوزه.

لكن هذا الذي نقوله، لم يكن مفهوما لدى معظم الذين استشنعوا اجتهاده الجسور آنذاك وأخذوا في اللجوء إلى ماركس بطريقة فقيرة وبجهد بائس يشبه فقر وبؤس الأصولي الإسلامي في بحثه عن حلول لقضايا معاصرة في متن الصحون القديمة لعلم الكلام والفقه. لكن يجب الانتباه: فمغامرة عبد الخالق كانت ظافرة ظافرة فله - دون الإقلال من جهد الحزب كمثقف جمعي - يرجع الفضل في هذا الإمساك غير المعقول بالديمقراطية الليبرالية عند شيوعيي بلادنا المعاصرين.

لقد أوضحت للتو لماذا سميت طريقة عبد الخالق في التعاطي الفكري مع هموم الثورة وقضاياها مغامرة، ولي الآن أن أوضح لماذا وصفت ذات الطريقة بالخطرة. لقد أثبتت وقائع لا حد لها، خاصة بعد فشل نموذج البناء الكاذب في الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوربا، إنها طريقة تقود بسهولة للتخلي عن ماركس جملة وتفصيلا على طريقة بعض الزملاء الآن إلى أن تجاسر أحدهم في واحدة من الندوات التي نشرتها "قضايا" ليعلن استغرابه من استمرارنا في المناداة بمجانية العلاج والتعليم. فتأمل!! .. في الحقيقة ليست هذه دعوة لإغماض الناس حقها في الاجتهاد والبحث لكن عبد الخالق إنما عصمه إدراكه الرهيف لرهافة الخيط الذي يفصل بين الإبداع في الاجتهاد والبحث في التعامل مع واقعنا من موقع ماركسي وبين التخلي تحت إسم الإبداع في التعامل مع المتغيرات .. وده تخلي كامل شفناهو وعاصرناهو حين اشتد الصراع الفكري حول المرتكز النظري للحزب .. وتبعه نعلة ماركس وشاتمي إسهامه الذي لم يدع يوما اكتماله وكماله.

هذه الخاصة، اكتشافها عند عبد الخالق لم يكن عابرا وإنما مقيما بحركة غير عادية في التواضع الفكري أوان تقديم هذا الإسهام لا عدم التواضع باسم هذا التواضع فعبد الخالق في كل إسهامه لم يدع ويتصرف كأنه يريد أن يصيغ للعالم نظريته في سكة التغيير الاجتماعي. نحن لا نبصم في كتاب إسهامه الماركسي بصمة حوار في لوح شيخه، فهذا مسلك لا يجب أن يسلكه حتى المكتفي من المطالعة بمجلة "الصبيان". لكننا لا نري مخرجا لعافية الحزب الشيوعي سوى بماركس، الرجل الذي ذكر بمرارة المثل بالغ القدم في لانكشير حول (العناقريب التي لا تبرد) مشيرا وفاضحا للاستغلال البشع للرأسمال الوليد والذي لن يتخلي عن هذا الاستغلال أبدا ليستحضر ماركس عنوة في ذهن الحالمين بتحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق تصفية أي أساس للاستغلال الرأسمالي، هذه هي عدالة ماركس وهي لا تشبه "العدالات" الكثيرة التي يتكلم عنها بعضنا في حملة التجديد أو قل حمى التخلي عن الماركسية بعد الانهيار إياه. عبدالخالق لم يعتقد في أبدية صحة كل أطروحات ماركس، أي لم يستخدم سوى منهجه لقراءة واقعنا الخاص ثم محاولة رسم طريقنا السوداني لتحقيق الاشتراكية في ظل خصائصنا ومميزاتنا كشعب وبلد، طريقة عبد الخالق هذي لا تحتفي بما شاهدناه في نقاشنا العام. أقول: لا تحتفي باستلاف بعضنا لنقة اليمين في التخلي عن ماركس والبحث عن مصادر متعددة لحزبنا وبطمس هوية الحزب الطبقية كي يدافع عن الكل ومافيش حد أحسن من حد! طاعنين بذلك حتى في صحة تسميته بـ"حزب"!! كأنهم كانوا أعضاء في جمعية قتلة لا حزب سياسي ينشد الخبز والديمقراطية والسلام والوحدة لشعبه بنوبته وزنجه وحلبه وعربو ! لكنها في تقديري نوع من "الحداثةالهائمة" فالقاصر عن استيعاب جوهر الماركسية لا يستطيع صد حملات القتلة الحاكمين اليوم ولا الوقوف ضد مشروعهم المجرم .. أولئك الذين رهنوا قولهم لدى شركات التأمين الإسلامية الحلال وبنوك البركة وفيصل والتقوى وهلمجرا. "حداثة مقلوبة" لأن ماهو مؤسف في الأمر اعتبار دعاة التصفية لعواستهم اجتهادا مبدعا وقراءة سليمة لمتغيرات العصر ومستجداته، مع إن هذه الأخيرة دفعت أكثر الماركسيين في السير لأقصى اليسار ردا على تعولم الرأسمالية المتوحشة في المركز حيث تسحق شعوبها بلا رحمة وفي الأطراف التي لا تهدي لها سوى الحروب والفقر والأمراض.

شفنا طريقة عبد الخالق. أولا: في التزامه بماركس التزاما مبدعا. وثانيا: في قراءته الفذة لواقعنا بمنهج ماركس نفسه. لكن مؤسف استحضار عبد الخالق بعد كل سطر والتاني من سطور ما يسمي زورا بـ "التجديد" كأن راشد هو فزاعة لتخويف المحتج دفاعا عن الحزب ضد تصفيته. فراشد مبدع وليس متسلبطا، سوى وسهل للحزب طريقه ودربه للثورة بدون أي تنازلات فكرية لليمين العاطل،  الذي هو عدو للحزب الشيوعي، "وعدو" هذي لن تعجب "الأخلاقيين" في حمى التخلي الماركسي، لكن الحزب ما دام حزبا ماركسيا مسئولا وصادقا في دفاعه عن الطبقة العاملة والكادحين فالذين في الجهة الأخرى أعداء وخصوم. عبد الخالق كان راديكاليا، وأن تكون راديكاليا لا يمنع ان تكون أمينا للنزوع الإنساني في فكرك. هكذا كان لم تأخذه في اجتهاده من أجل سلطة الشعب مهابة. فقمة نزوعه الإنساني هو رغبته في ابتناء سلطة تجعل من مهام إنهاء الفقر والجوع والمرض مهاما ثابتة. تمسك عبدالخالق بالديمقراطية الليبرالية، بالعمل في ظلها لإعداد الجماهير كي تنجز ثورتها لم يتبعه نظر لمصير السلطة الوطنية الديمقراطية استنادا على معرفة الحزب بضيق القوى التقليدية وانقلابها على الديمقراطية في كل مرة تقترب فيها الجماهير الماسكة لشعارات البرنامج الوطني الديمقراطي من قصرهم الجمهوري، فحادثة حل الحزب ومصادرة نشاطه القانوني 1965 ، قرار الاتحاد الأوربي بالتدخل في فرنسا إذا ما وصل الشيوعيون إلى السلطة بالانتخاب الديمقراطي، التجربة الشيلية والتي طالما أغمضنا الأعين كي لا نتأمل دروسها .. كلها حوادث تطرح مهمة حماية السلطة الوطنية الديمقراطية على مائدة الحزب وضرورة دفاعه لا عن سلطة مكونة نتيجة لانقلاب عسكري .. بل خيار ديمقراطي للجماهير. إننا نعلم أن الحركة الجماهيرية تستطيع بناء أدوات حماية ثورتها في طريقها الطويل، لكن هذا ما فعله الشيليون أيضا. صحيح أن التجارب الجديدة في أمريكا اللاتينية استوعبت درس شيلي القديم لكن دفاعها بلا رحمة عن سلطاتها المنتخبة مرحب به وسط معظم أطراف اليسار في العالم ولم أقع على دعوة لإشانته وتشنيعه إلا عن بعض دعاة"التجديد" هنا وهناك. وهو تشنيع يفضح مصير الجماهير إذا ما قدر للمتسامحة، الأخلاقيين والديمقراطيين جدا قيادة ثورتنا في المستقبل .. المصير القديم لجماهير شيلي التي جمعوها في استادات كرة القدم ليمطرها الجيش بالرصاص !!

وإذا كانت للحزب مشكلة ألقت بكلكلها على حاضره فهو إهماله لظروف كثيرة العمل وسط قواه الاجتماعية، هروبه بعد هزيمة 1971 من واجب العمل وسط صفوفها بذات الاتساع القديم. هذا واجب كان في غاية الصعوبة لكن كان ضروريا إذا ما أراد الحزب الحفاظ على كينونته كحزب طبقي. فاستعاض عن ذلك بعمل هو الأوسع في تاريخه وسط قوى وفئات كادت أن تودي به لتحوله فحزب يدافع عن مصالح كل الناس.

إن عمل الحزب وسط هذه القوى والفئات لم يكن خطأ. لكنا نقول بخطأ الاكتفاء به وترحيل واجب الحزب في العمل وسط العمال والكادحين كواجب تاني أو أخير.

ماركسية البرنامج الوطني الديمقراطي في طبيعة المصالح التي ينادي بها ويدافع عنها ، وفي نوعية القوى التي رسم البرنامج لها دورا في السلطة واختارها كقوى لإنجاز برنامجه، أي ثورته. كل برامج الحزب وأوراقه وكتبه بما فيها إسهامات عبد الخالق هي حصيلة شوف بعيون الماركسية .. إن عبقرية الحزب في إمساكه بالماركسية هو تأمينه على مهامه الوطنية الديمقراطية كاشفا عن بصيرة واعية لواقع بلادنا وشعبنا.

عبد الخالق كان حاضرا في كل ما هو صحيح ومشرق داخل الحزب الشبوعي، أنظر إليه وستجده في "الماركسية وقضايا الثورة السودانية"، وفي "حول البرنامج" تلك الوثيقة التي كتبها في أحلك الظروف التي يمكن أن تمر بمناضل . هذا غير اجتهاده الغير منكور في الهزيمة الفكرية للتيار الذي قاد أكبر وأوسع انقسام في تاريخ الحزب الشيوعي. إنه شاق علينا ألا يكون عبد الخالق وشهداء حزبنا جميعا بيننا في مؤتمر حزبنا الخامس، إن إنجاز وتحقيق ما توصل له المؤتمر هو هديتنا لأرواحهم المجيدة.

أبوعبيدة الماحي

فهرس الأخبار