فى الرد على أستاذ أمين حسن عمر
"مقاربة الإنقاذ للمشروع الإسلامي وأثرها على مستقبل الإسلام بالسودان"
(1 من 5)
بؤس فكر إنتلجنسيا الحركة الإسلامية الرثّة: عقود انحطاط وإعادة إنتاج الشمولية
أُمثولة استاذ أمين حسن عمر مثقف الحركة الإسلامية العضوى[1]
ونخب اُخرى
الفاضل الهاشمى/كندا elsharief@gmail.com
محاولة تعريف الخطاب وجدل الخطاب والنيولبرالية:
استخدامنا للخطاب فى الورقة يتحرك فى المستويات التالية:
أولا: ماتوصّل اليه المختار الفجارى من أن جوهر مادة خطب هو الكلام الحامل لرسالة ، المعتمد على سلطة ما لتبليغها للناس[2]. ويمكن أن يوازى معنى الآية (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب). وفصل الخطاب فُسّر بأنه يفصل بين الحق والباطل [3].
ثانياً: إن انتاج الخطاب فى كل مجتمع يخضع لرقابه و لاصطفاء و لتنظيم و من ثمّ لاعادة توزيع وفقا لتدابير تهدف الى تحاشى سلطة و اخطار الخطاب واستبعاد اثر الاحداث عليه وتجنب ماديته الثقيلة (ماركس/انجلز الايدولوجيا الالمانيه)
ثالثاً: عرّف معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة الخطاب أنه "مجموع التعابير الخاصة التي تتحدد بوظائفها الاجتماعية ومشروعها الأيديولوجي [4]"
رابعاًً: يقول ميشيل فوكو (فى نظام الخطاب) ان الخطاب قد يبدو فى الظاهر "قليل الخطر، و لكن المحظورات التى تحيط به تكشف بسرعة عن علاقات الخطاب نفسه مع الرغبة و السلطة..... انه بحد ذاته موضوع لصراعات الانسان" وقد حاولنا فى هذه الورقة التى هى جزء من كتاب تحليل خطاب حركة الإسلام السياسى السودانية التى سطت على السلطة السياسية وفرضت مشروع هندسة اجتماعية حضارى عبر دراسة ورقة أستاذ أ.ح.عمر [5] ثم راجعنا خطاب نُخب الحركة الإسلامية السودانية منذ 1983.
جدل الخطاب:
العلاقة بين الخطاب وعناصر اخرى من الممارسات الاجتماعية علاقة جدلية كون الخطاب يَقبل (يَستدخِل)
internalize
العناصر الأخرى ويُقبل (يُستدخَل) من تلك العناصر من دون أن يتم اختزال أحدهما وتذويبه نهائياً فى الآخر.
بمعنى أنهما، أى الخطاب والممارسات الاجتماعية، مختلفان وغير منفصلان. فى المنظور التاريخى، أى فى عمليات التغيير الاجتماعى، يهتم جدل الخطاب بالسُبل والظروف التى تمت فيها عمليات الاستِدخال بينهما.
مثلاً اذا اعتبرنا فكرة "اقتصاد المعلومات (العلم والتقنية) ومجتمع المعلومات" التى تُستخدم فى خطاب الرأسمالية الغربية نكون فى الحقيقة نتحدّث عن تغيير نوعى تنساق فيه العمليات الاقتصادية والاجتماعية بالمعلومات وتتبع لها. ذلك لأن التغييرالاجتماعى يتم من خلال تخلّق وتوزيع وتشغيل المعارف فى العمليات الاجتماعية والاقتصادية والمقصود هنا ابراز الدورالمتعاظم للمعلومات. فمن ينساق بالمعلومات هو بمثابة من ينساق بالخطاب: بمعنى أن المعلومات تُخلّق وتُوزّع كخطابات وأن العملية التى من خلالها تشتغل الخطابات فى الاقتصاد والمجتمعات هى جدل الخطاب، حسب نورمان فيركلف[6].
وفيما يخص استعمالنا للخطاب هنا فهو يشمل تمثلات الكائن وماسوف يكون (الخيالى/الشاطح). وتكون المعلومات فى اقتصاد المعلومات هو المتخيّل الشاطح. وفى مجال الممارسة الاجتماعية يتم تخيّل ممارسة اجتماعية ممكنة وموالفات شبكات ممارسات وأنشطة وعلاقات اجتماعية وقيم وأشكال وعى. هذه التخيّلات يتم تشريعها وفرضها
Enacted and inculcated
كممارسات واقعية كما فى المخابز الإسلامية والمطاعم الإسلامية والزى الإسلامى والتخزين والمضاربات الإسلامية والمصارف الإسلامية أوالمشروع الحضارى و"شجراً يسير أو يهلّل للشهداء" أو فلنقل تصبح مرجعية إسلامية تستبطن وتستدخل المخبز والمطعم والزى والمصرف والشارع (الإسلامى) والأشجار فى الخطاب الإسلامى. ألم يتفاخر أستاذ أ.ح.عمر بالمرجعية الإسلامية حين هتف: "فالإسلام قد صار وحده هو المرجعية التي يحيل إليها العلمانيون عند محاكمة كسب الدولة أو الحركة الإسلامية. وهذا هو النجاح الأكبر للحركة الإسلامية. لأن مطلوبها الأعظم كان هو عودة التحاكم للإسلام واعتماده المرجعية الأساس لقياس كسب الفرد أو المجتمع أو الدولة. ولاشك أن كسب الأفراد والجماعات والدول يقصر كثيراً عن المثالات الإسلامية" ؟؟
رغم ذلك فان الزمكان(المسافة وزيادة!) بين "كسب" الجميع و"المثالات الإسلامية" لا يؤول الى الصفر إمعاناً فى إعلاء شأن المُتخيّل. وهنا يتم تغيير اجتماعى نوعى من خلال تخلّق وتوزيع وإشتغال
operationalization
المرجعيات الإسلامية فى حيوات المجتمعات الإسلامية: ملبسها ومتجرها وبنوكها وخبزها وفومها وعدسها المُخزّن تبعاً لصيغ التخزين الإسلامى. وفى جدل الخطاب الإسلامى يصبح بنعمته تعالى:
“ Islam-driven” amounts to “discourse-driven”
يتم إسقاط (بل تشريع وغرس) المُتخيّل/الشاطح على واقع الممارسات وشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حينئذٍ تصبح الأنشطه والعلاقات الاجتماعية المتخيّلة أنشطه وعلاقات اجتماعية واقعية/حقيقية.
والتشريعات فى التحليل النهائى تشمل تجسيد الخطابات، خطابات اقتصادية ومالية تشمل البنوك ومرابحات الفائدة وقوانينها وبرامج التكيّف الهيكلى وخصخصة التعليم والصحة والبنيات التحتية والنيولبرالية. والخطابات كمتخيّلات، عند نورمان فيركلف، يمكن أن تنغرس/تتمظهر
inculcated
كأساليب حياة جديدة، كهويات جديدة. هنا تماهت الفكرة (الخطاب) وعربدت وأصبحت بنعمته أكثر من مستقلة عبر جدل الخطاب مع البنية التحتية واستدخالها واستبطانها وأصبحت شجرة النظرية مخضرّة كشجرة الحياة. هنا الموضوع يعتمد على الذات كما فى نظام الإنتاج والإدارة التيلورى الذى يعتمد على تغيّرات فى أساليب وهويات العمال [7] ؛ وهذا تالله باب تخرج منه الريح وتدخل. تغيير الذات، حسب نورمان فيركلف، يتم إبّان انغراس خطابات جديدة ؛ مثلاً حينما يموضع الناس أنفسهم داخل الخطاب فيفعلون ويفكرون ويتكلمون ويرون أنفسهم عبر خطابات جديدة. أول مراحل الانغراس، كعملية معقدة، هو الانتشار البلاغى الذى يحدث حين يتعلم الشخص خطابات جديدة ويستعملها لأغراض محدّدة ثم فى نفس اللحظة يضع بينه وبينها مسافة بوعى. ومن أحد مفارقات جدل الخطاب هو العملية التى ينتهى فيها تملّك ما بدأ أصلاً كانتشار بلاغى وبوعى ذاتى: حالة كون الإنسان يتموضع، دون وعى، داخل الخطاب!. ومن مظاهر انغراس الخطاب مادياً كونه ينغرس فى الأساليب وطرق استخدام اللغة والأجساد والمواقف والمبادرات وطريقة الحركة الخ [8].
النيولبرالية:
مشروع النيولبرالية هو مشروع سوشيو-سياسى اقتصادى "لإعادة هيكلة وإعادة مقايسة العلاقات الاجتماعية حتى يتسنّى لها أن تنسجم مع المتطلبات غير المحدودة للرأسمالية المعولمة [9]" ومن صفاتها ومصطلحاتها: هيمنة الشركات متعدّدة الجنسية، وصْفات صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية، الخصخصة، نهاية العقد الاجتماعى الذى ميّز دولة الرفاه، حكومة بدون حكم، اقتصاد المعلومات الخ. ولأن المشروع النيولبرالى قد هيمن تماماً على المشهد السياسى كونه جرّد القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى تدعو الى بدائل راديكالية وثورية من أسلحتها وعنفوانها وبذات القدر قوّض الديموقراطية لانه أغلق أبواب الحوار والتفاوض. قادت ضغوط المشروع النيولبرالى الى ضم كل الدول والتكتلات الإقليمية تحت رحمة اعصارها الصاخب بإعادة هيكلة اقتصادياتها على غِرار إملاءات قوى السوق التى تُسوّق وتسوّغ على اساس انها موضوعية ومحايدة [10]. لكننا نود أن ننبه الى حقيقة جوهرية فى تحليلنا هى أنه لا يوجد السوق، كآلية من آليات اعادة انتاج راس المال، خارج العلاقات الاجتماعية بمعنى أنه لايوجد سوق بمعزل واستقلال عن هذه العلاقات يعمل على إملاء قانونه على العمال والمخدِمين. ولذلك لاتوجد رأسمالية خارج السياسة والدولة سواء فى المراكز او الأطراف [11] (والأخيرة تصبح أكثر توحّشاً) وهذه ورطة متأصّلة وملازمة لحركة الإسلام السياسى والدولة الدينية والتى لاراد لها حتى يوم الدين. السوق طبيق التراكم الرأسمالى البدائى والأخير طبيق العنف الاجتماعى والسياسى وصنوه. فى مرحلة الرأسمالية المعاصرة ازدادت تناقضات الرأسمالية الثلاثة حسب سمير أمين (الاستلاب السلعى والاستقطاب العالمى وتدمير القاعدة الطبيعية) وساهم خطاب الاستلاب المتجدد فى إعطاء شرعية للامساواة وتطبيع الظلم فى توزيع الإنتاج المادى الاجتماعى وفى تنظيم السلطة والنفوذ فى جميع مراحلها سواء على مستوى المنشأة ام الدولة [12]. وبهذا الفهم فان الرأسمالية أكبر من السوق وهى أحوج ماتكون الى تدخّل الدولة المكشوف كما فى ازمة العقارات والأسواق المالية فى النظام الرأسمالى فى 2008 حتى تنمسخ الديمقراطية الى رهاب يحسبه ظمآ الضواحى للديموقراطية ماء.
اذا كانت النيولبرالية تعتمد على الثورة المعلوماتية فانها بنفس القدر تعتمد على الخطاب حيث لم يفت على الباحثين ملاحظة أهمية دور اللغة والخطاب فى تفسير تحولات الرأسمالية وبناء حزمة مفردات لغوية جديدة تميّز هذا الوضع منها: المرونة فى التخديم، العولمة، الإقصاء، الحكم
governance
الخ. وقد نُفخت فى روح هذا الخطاب طاقة أدائية تحاول إنزال ادّعاءآته وشطحاته الى أرض الواقع المعاش [13].
وبطريقة تقارب دور الخطاب فى النيولبرالية نجد ان الحركة الإسلامية أسّست لحزمة خطاب من شاكلة التخزين الإسلامى، المخبز الإسلامى، البنك الإسلامى، الزى الإسلامى، الثوابت، التمكين الخ.
هكذا يلعب خطاب الحركة الإسلامية دور ازالة الألغام من طريق مشروع النيولبرالية السياسى لإخراج وتخريج السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (والجهادية) ولهذا تحاصره الركاكة من كل صوب. ثم بقدرات اسطورية تحاول تحويل رغباتها وتهويمها وشطحاتها الى حقائق واقعة مثلما يحوّل الملك ميداس فى الأسطورة الإغريقية كل ماتمسّه يداه الى ذهب.
مدخل نظرى: أزمة الوصْل والفصْل فى الخطاب الإسلامى
يكتسب تعريف الخطاب مشروعيته هنا من طبيعة المادة التى يتناولها والسياق الزمكانى الذى أخذت ملامحها منه ونزعم أن الخطاب هنا لا يعتمد على مصادر مسبقة وبنيات ايديولوجية مغلقة بل بشواهد وحجج وبراهين نثبتها من خلال معايشات وقعت ومنطق يصدرمن أحكام الواقع وقوانينه المتغيرة وليس من أحكام القيمة.
نزعم أن خطاب الحركة الإسلامية يندرج فى منظومة معرفية نيولبرالية هابطة ومغلقة بحكم موقعها من منظومة الرأسمالية الإمبريالية التى لم تسعفها معطيات تطور العلم والتكنولوجيا من النظر النقدى لحقائق حدة الاستقطاب العالمى بين مراكز الشمال وضواحى الجنوب التابعة وتوحّشها المستدام فى فرض سياسات اقتصادية-اجتماعية جائرة على شعوب الجنوب وحده. وبحكم عدم اصوليته وتبعيته الذليلة يستثمر خطاب الحركة الإسلامية خطاب النيولبرالية حينما يتعلق الأمر بأحكام الواقع الاقتصادى والاجتماعى والسياسى ثم يدّعى ثقافياًً (حضاريّاً) نقيضها. هذا ما اسميه بأزمة الوَصْل والفَصْل: وَصْل الحركات الإسلامية، وبشطط لامزيد عليه، مع مبادئ ومناهج وسياسات وتوجيهات اقتصاديات الغرب النيولبرالى ثم ادّعاء الفَصْل معها ثقافياً وحضاريّاً فى آن. ولهذا فان سياق خطاب الحركة الإسلامية لا يؤهله لإنتاج آليات أصولية خاصة به تميّزه عن الخطاب النيولبرالى، وانّ مقولاته ومصطلحاته تولد مُغلقة وميّته ومن ثم لا تتحلى بصفة عبر- التخصصية. بل ان مقولاتها لا تتباين فى الباطن من حيث البنية والوظيفة من منطلقات الرأسمالية مثل مصطلحى المضاربة الربحية (الذى هو نفسه معدّل الفائدة الربحية) ومصطلح الزكاة الذى أصبح أداة توزيعية غير فعالة بحساب العدالة الاجتماعية التى كان يجب أن تعالج على مستوى الإنتاج المادى وملحقاته. لقد قصّر مفهوم الزكاة عن ارتياد آفاق مفهوم العدالة الاجتماعية ولم يرق الى سقفها. لذلك نجد منظرى الحركة الإسلامية، مثلهم مثل منظرى الاقتصاد النيوكلاسيكى، يهتمون بمتغيرات مثل متوسط دخل الفرد أكثر من اهتمامهم/ن بآليات توزيع الموارد. مفهوم الزكاة محاولة غير فعّالة لمعالجة مسألة الفقر فى مستوى أقل من مفهوم المساواة. و مفهوم المساواة أقل طموحاً من مفهوم العدالة الذى يبتغى متطلبات اجتماعية أكثر عُمقاً. يرتبط مفهوم المساواة بـ راهنيّة الحاضر (الآن وهنا) أما مفهوم العدالة فيذهب عميقاً وبعيداً فى مساءلة الظاهرة الاجتماعية. يتعقّد الأمر ليس لفصليّة الزكاة (سنويتها) وكونها فُصّلت لظروف القرن السابع الميلادى فحسب وإنما لغياب العقلانية والموضوعية اصلاً فى توزيع فتات ضئيل وموسمى على هذا الجسد الهائل من الشعب السودانى كون 95% منهم يئن تحت ثقل خط الفقر!. يستهدف مفهوم العدالة محصّلات توزيع الموارد والنفوذ والظلم التاريخى الواقع ؛ مثلما حاولت تجربة التمييز الإيجابى فى أمريكا استكناه واستصحاب متغير ظلم الزنوج الأمريكان كمعطى تاريخى.
أما فيما يتعلّق بمحاولة تجاوز سعر الفائدة وكأنه فائدة ربوية ثم استخدام حيلة الفائدة الربحية (وتسميتها بـ المرابحة أو المضاربة) فإنه حرثٌ فى بحرالمنطق. ذلك لأن الأسعار لازمة من لوازم الإنتاج السلعى الرأسمالى فى حركته التبادلية فى أسواق البضائع والخدمات والأموال. لذلك ينتمى السعر عموماً الى مصدره وحركته (الأجر فى سوق العمل، وسعرالصرف فى سوق العملة خارجيًاً، وسعرالفائدة فى التسليف من جهة ولعلاقة سعر الفائدة العكسية مع الطلب على الاستثمار من جهة أخرى وكذلك معدّل الربح). ولذلك فان سعر الفائدة صائر ومُضمّن فى كل عملية تسليفية حتى ولو تحايلنا عليه وسميناه معدل ربح أو فائدة ربحية.
نظرة الحركة الإسلامية للسوق، مثلها مثل المنظور الرأسمالى للسوق، تأخذ منحىً خارقاً وأُسطورياً فى الخطاب حيث يتم الخضوع لقوانين السوق التى تصبح حقيقة أزلية أكبر من الاقتصادى والاجتماعى؛ انه سوق مستقل عن كل شئ وغير ملوّث بالساسة [14]. يتطوّر هذا المشهد الواهم للسوق بحيث يصدّق المواطن المؤمن وغيرالمؤمن عدم وجود سياسات خفية وغير معترف بها تعمل باستمرار بجانب السياسات المالية وسياسات الميزانية المعترف بها والتى تناقش فى البرلمان والصحف. يكتمل هذا المشهد ماوراء الفيزيائى باعتقاد ان للسوق يدان خفيّتان ساحرتان تشتغلان بكفاءة اسطورية لتوزيع الخيرات. لذلك لا تسعى الحركة الإسلامية لاستشكال مفهوم السوق مثلما لم يجرؤ بعض التقدميين عندنا من استشكال مفهوم وواقع الديموقراطية البرجوازية.
على هذه الخلفية النظرية نحاول مقاربة "كتاب" الحركة الإسلامية فى السودان. و[الـ]كتاب هنا صنو الخطاب الذى ورد فى القران كقوله تعالى: "هاؤم إقرأوا كتابيا" بمعنى إقرأوا أنشطتى وأفعالى وسياساتى واستراتيجياتى ومردودها الأرضى على العباد وعلى كل كبدةٍ رطبة. قصدت هنا مقاربة تنظر فى أزمة الوصْل مع النيولبرالية والفصْل عنها فى آن كون فكر الحركة الإسلامية يحتفى بوصله مع الفكر الغربى اقتصاديّاً واجتماعياً وسياسياً ثم يدّعى انفصاله عنه ثقافيا وحضارياً من باب الزيف والبهتان.
فى محاولته لتطبيق منهج التحليل النفسى على ظاهرة الخطاب الإسلامى والعربى يقول جورج طرابيشى "مددت الخطاب العربى المعاصر على سرير التحليل النفسى واكتشفت ماهى معيناته اللاشعورية لا معيناته المعرفية والايدولوجية فحسب واكتشفت فيه خطاباً عصابياً مريضاً بالغرب، بعقدة الغرب والتفوق الغربى ومريضاً بالجرح النرجسى [15]"
منطلقات هذا المبحث:
جوهر مبتغى هذا المبحث يهدف الى إماطة اللثام عن زيف الخطاب الإسلامى السودانى اللجوج وجهاز مفاهيمه المراوغ وتهافته وانتهازيته ثم يوضّح صلته الحميمة بخطاب الرأسمالية النيولبرالية. سبيلنا الى ذلك تناول ورقة نشرها أستاذ أمين حسن عمر (أ.ح. عمر) فى صحيفة سودانايل الإلكترونية فى سبتمبر 2008 بعنوان "مقاربة الإنقاذ للمشروع الإسلامى وأثرها على مستقبل الإسلام بالسودان" ولكننا لانستهدفه وحده وانما مع لفيف من انتلجنسيا الأخوان المسلمين ونتناول أيضاً انتاج نخب أخرى شاركت فى صناعة خطاب الحركة الإسلامية.
لاندّعى فى نقدنا للتجربة براءة موضوعية مطلقة كما قال جورج طرابيشى ولانتبرأ من عواطفنا النبيلة ولاينبغى لنا كون بحثنا هو خطاب فى خطاب.
لقد اجتمع انتلجنسيا الحركة الإسلامية السودانية الرثة على ضلال مبين بدأ بالاحتفاء بالحدود وتخويف الفقراء وأهل الهامش بها والتبشيع بهم/ن واذاعة وتلفزة أسماء الضحايا الضعفاء عبر النشرات الأساسية وبذلك انتقلت الحركة من تعميم الخاص عقابياً الى خصخصة العام وبينهما أثارت النعرات القبلية والإثنية ووظّفتها لكسر شوكة المعارضة المسلحة. ارتكزت الحركة على تراث عربسلامى ماهل من التكفير والاضطهاد والاغتيالات والتحريم والفتاوى والزندقة. واكتسبت خبرات غنية فى أن تفاوض وترشى وتشترى وتبيع ذمم القريب والبعيد.
اذا كان منطق أخوان الصفا قبل ابن رشد بقرنين يقوم على "ان الشريعة الإسلامية قد مرضت ولابد للفلسفة اليونانية من أن تطهرها من أمراضها [16]" فان انتلجنسيا الحركة الإسلامية الرثة يجرّون جيفة جثمانها حثيثاً نحو النيولبرالية فتتعطّن عِتّتها.
حين يقول أستاذ أ.ح. عمر "ولا يزال الغبار يثار حول ما يسمى بالتجارب الإسلامية في السودان وغير السودان أملاً في نقض الإرادة الوطنية هنا وهناك والتي كفرت بجدوى مشروع التبعية الغربي . ولا شك أن إفلاس المشروع الغربي للعالم الإسلامي وإفلاس دعاته من الليبراليين أو الاشتراكيين قد جعل همهم الأول هو محاولة نقض الإسلام"
فهو يحاول فى غمرة العبث والفصام الفكرى ومن دون الاستناد الى شواهد حقيقية أن يميّز خطاب الحركة الإسلامية عن الخطاب الليبرالى ومشروع التبعية الغربى. ظروف العولمة المعاصرة تفرض تشابك علاقات اعتماد اقتصادية وسوشيوسياسية وثقافية معقدة بين الدول بحيث لاتستطيع دولة ادّعاء الانفلات من ذلك التشبيك وإزاء هذا الواقع تصبح "الجهود الرامية الى تحقيق الدولة الإسلامية ليس فقط محكوم عليها بالفشل المصحوب بتكاليف انسانية ومادية رهيبة، ولكنها أيضاً تقود الى عكس ماتسعى اليه أوماهومفترض فيها[17]"
سمات خطاب حركة الإسلام السياسى المعاصر
يمتاز خطاب حركة الإسلام السياسى السودانى المعاصر بأربع سمات:
السمة الأولى: شمولية إيديولوجيا الحركة الإسلامية وأفقها الفكرى المسدود.
للبحث عن شمولية وعنف الحركة الإسلامية نستقصى ونتحرّى عن مفهومين:
(1) ان الإسلام هو دين ودولة
وقد قال كثير من المفكرين المسلمين والعرب بأن لا وجود لكلمة الدولة فى النص القرانى ولافى الأحاديث (منهم عبدالله النعيم وجورج طرابيشى) . رغم ذلك أصبح المفهوم جزءاً من منتج صناعة الإيدولوجيا الإسلامية منذ أن سكّه حسن البنا وهو جزء من خطاب حركة الأنصار وحزب الأمة كون إمام الأنصار هو "إمام الدين والدولة"
(2) مفهوم الحاكمية الإلهية وولاية الفقيه
يهيئ هذا المفهوم لشمولية (توتاليتارية) وأقول إستالينية الحركة الإسلامية حيث أن الشأن الاجتماعى الاقتصادى يكون معقوداً على النص الإلهى المؤنسن وكلمة الفقيه النهائية. يعزى جورج طرابيشى عنف تجارب الحركة الإسلامية الى فكرة الحاكمية الإلهية ، ذلك لأن مأساة الإيديولوجيا الإسلامية ومأساتنا معها تنبع فى أنها "رأت النور فى عصر ومرحلة موت الإيديولوجيات [18]" وبعد فوات عصرها ويقصد بذلك الإيديولوجيات التى استولت على السلطة فى ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وروسيا الستالينية وأضيف حركة البعث العربية. يزيد جورج طرابيشى بأن تلك الإيديولوجيات لم تكن عنيفة إلا حينما استولت على السلطة خلافاً لحركة الأخوان المسلمين التى ولدت عنيفة قبل أن تستلم السلطه ومارست الاغتيالات.
يفسّر هذان المفهومان عنف الحركة الإسلامية فى السودان ، سيّان فى حالة كونها تتضارى بالحكم العسكرى القائم (نميرى) أو تحت حكمها العسكرى الذى نكرته ثم قرّت به لاحقاً أو فى مرحلتها الانتقالية الحالية حتى 2008. وعنفها ودمويتها وضيق أُفقها وإقصائيتها واستعلائها البائن يرتبط بما لامزيد عليه بظلمها الطبقى والاجتماعى وخطها الرأسمالى النيولبرالى المتوحّش. وهى أكثر شراسة من النازية حالة كونها تقوم على نقاء العرق والدين (العربسلامى) معاً وكونها وهى كما يقول جورج طرابيشى "تناضل فى أفق مسدود تاريخياً عليها، هذا اعتقادى العميق، هى فى مأزق، حتى ولو انتصرت، فهى فى مأزق [19]"
السمة االثانية: نكران التناقضات الاجتماعية والرهان على صراع الحضارات (الثقافات).
يتطابق خطاب الإسلام السياسى مع خطاب المركزية الاورو-أمريكية بل ويكمّل أحدهما الآخر. ينكر الخطابان تاريخ التحولات والتغيرات المتبادلة للمجتمع وديانته والذى يمتلئ بالتفسيرات المختلفة للعلاقة بين العقل والإيمان[20]. ثم يتقاسمان "الفكرة الثقافية القائلة بأن المسارات المختلفة للشعوب لها خصوصيتها المتميزة غيرالقابلة" للمقايسة والمعايرة والتقييم. جميع تيارات الإسلام السياسى تعلن خصوصية الإسلام دون سائر الديانات ولذلك تختار أن تقود معركتها على أرضية الثقافة.
وبدلاً من مناقشة الدوغما (العقائدية) التى تؤلف الشريعة (بحسبان الشريعة هى العقائد والعبادات والمبادئ الأخلاقية وأحكام المعاملات) ينصب اهتمام منظرى الإسلام السياسى بالشكل الاجتماعى والتقليدى الشعائرى للدين، وهذا هو جوهر الفراغ الواسع الذى ينطوى عليه هذا الفكر. التأكيد على الشعائر يبرر "استراتيجية الإمبريالية فى إحلال مايسمى بصراع الحضارات بديلاً للصراع بين المراكز الإمبريالية والأطراف المهيمن عليها حسب سمير أمين [21]. إن التشديد على الحضارة (الثقافة) يسمح للإسلام السياسى بأن يحذف من كل مجالات الحياة المواجهات الاجتماعية الواقعية بين الطبقات الشعبية والنظام الرأسمالى العالمى الذى يضطهدهم ويستغلهم[22]".
فالإيديولوجية (الجماعية) على الطريقة الأمريكية، التى يجرى الترويج لها حاليّاً، تعمل على إخفاء الوعى والصراع الاجتماعى لتحل محلها (توافقات) جماعية مزعومة تتجاهل هذا الصراع. واستراتيجية سيطرة رأس المال تستخدم هذه الإيدولوجية لأنها تنقل الصراع من مجال التناقضات الاجتماعية الحقيقية الى العالم الخيالى، الذى يوصف بأنه ثقافى مطلق وعابر للتاريخ. والإسلام السياسى ظاهرة (جماعية) كونه يعبر عن جماعة ينتمى اليها الإنسان بالإرث كما لوكانت جماعة عرقية، وليس اعتقاداً شخصياً يختاره المرء أو لا يختاره، يؤمن به أولايؤمن. فالأمر لا يتجاوزتأكيد (هوية جماعية) [23].
الغريب فى الأمر إن " فكرة الدولة الإسلامية والتى جرى التأكيد عليها باسم حق تقرير المصير (الثقافى)....تقوم على النموذج الأوروبى للدولة ورؤية شمولية للقانون والسياسة العامة بوصفهما أداتين تستخدمهما النخب الحاكمة فى إطار عملية الهندسة الاجتماعية[24] " وهى ذات الشينة التى يتبرأ منها أستاذ أ.ح.عمر فى توطئته قائلاً: "فالحركة الإسلامية التي يتهمها خصومها بالإفراط في استخدام وسائل السلطان لم تعول في استراتيجيتها أبداً على هندسة المجتمع وذلك باستخدام وسائل السلطة بل ان شعارها دائماً كان هو أولوية المجتمع على الدولة" وهى ذات التجربة التى أنتجت ذات النموذج الشمولى السودانى باسم الإسلام. وخلافاً لمنطق "من أين جاء هؤلاء" الذى ورد على لسان الطيب صالح والذى يستبطن فرضية أن البنية النفسية للوعى السودانى قد تعاملت مع تجربة الحركة الإسلامية وتسلطها كصدمة فاننا نزعم بأن مشروع الحركة الإسلامية قد استثمرسيادة العقل الطائفى والصوفى وهيمنة الإبستيمية العربسلامية فى السودان ولم يهبط علينا من السماء كما وضّح د.عبدالله بولا [25]"
السمة الثالثة: معاداة الحرية والتحرّر والحداثة والاستنارة.
يرى أحد المنطلقات النظرية للإسلام "أن الشريعة، وبطبيعتها دائماً لا يمكن للمؤمنين بها أن يتبعوا تعاليمها الا من خلال حريتهم الفردية". هذا المنطلق يتماسك منطقياً كونه يستهدف مجتمعات تصبح مسلمة "انطلاقاً من قناعتها الذاتية وليس انسياقاً وراء إرادة الدولة القهرية [26]". هذا المنطلق العقلانى ينظر الى الفقه على انه محض تفسير انسانى لنصوص القرآن والسنة ولا يكتسب تفسير مسلم على آخر أية مزية اكثر من اختلافه مع مدارس أخرى.
خطاب الحركة الإسلامية يدعو الى الخضوع وليس الى التحرر. وحسب سمير أمين فان المحاولة الوحيدة لقراءة الإسلام فى اتجاه التحرر كانت تلك الخاصة بالمفكر الإسلامى السودانى محمود محمد طه. "إن الشريعة وبطبيعتها دائما لا يمكن للمؤمنين بها أن يتبعوا تعاليمها الا من خلال حريتهم الفردية، وإن مبادئ الشريعة تفقد سلطتها الدينية وقيمتها الدينية عندما يجرى فرضها من قبل الدولة[27]". والإسلام يرفض كل ما أنتجه التفاعل بين الإسلام التاريخى وبين الفلسفة الأغريقية فى زمانه. ولذلك ليس للحركة الإسلامية علاقة بالأُصولية التى توصف بها أو الأصالة والتاصيل اللتين تدعيهما لنفسها.
الخطاب الذى تزعم الحركة الإسلامية بأنها تقدّمه كبديل للحداثة الرأسمالية الغربية ذو طابع سياسى وليس دينى. ومايسمى بالمشروع الحضارى والنهضة والإستراتيجية القومية الشاملة ماهو إلا اهتمام بالشكل التقليدى للدين وممارسة الشعائر من زكاة وصيغ بنوك إسلامية وتعدد المساجد الخ. "الديموقراطية المسيحية قائمة فى نطاق الحداثة ، وهى تقبل الفكرة الأساسية للديموقراطية الخلاقة، وكذا جوهر فكرة العلمانية. أما الإسلام السياسى فيرفض فكرة الحداثة[28] ".
يفتقد خطاب الحركة الإسلامية الى الاستنارة التى ينبغى لها أن توجد خارج الاختلاف والتعدد. ذلك لأن خطاب الحركة عربسلامى عنصرى يفتقد الحساسية والاستنارة. فهو لايخاطب اخوانه وأخواته المسلمين والمسلمات فى الهامش غير العربى (جبال النوبة والأنقسنا ودارفور) بإعلاء ثقافاتهم وتبجيلها بل بالحط من شأنها. وتخلو تقريباً كل خطابات صفوة حركة الأخوان المسلمين من هذه الحساسية.
لقد رسّخ خطاب الحركة الإسلامية خطاً موازياً لخطاب التعدد واحترام الاختلاف الذى اجترحته نخب سودانية مثل (على عبداللطيف وعبيد حاج الأمين وعبدالفضيل الماظ والتجانى يوسف بشير وحسن الطاهر زروق والأستاذ محمود محمد طه وعبدالخالق محجوب ..الخ) .
تم التعبير عن خطاب الاستنارة لدى تلك النخب فى أكثر من موقف وبرنامج وأشواق ووجدان نتخيّر منها النماذج التالية:
استنارة التجانى يوسف بشير وهو ينشد:
لقد صار قلبى قابلاً كل صورة *** فمرعى لغزلانٍ ودير لرهبان
وبيت لأوثانٍ وكعبة طائفٍ *** وألواح توراة ومصحف قرآن
استنارة حسن الطاهر زروق وقوى اليسار:
وقف القيادى الشيوعى ونائب الجبهة المعادية للاستعمار فى دوائر الخريجين حسن الطاهر زروق (ح.أ. زروق) فى 31ديسمبر1955 امام الجمعية التأسيسة فى مناقشة مشروع الدستور المؤقت مطالباً بأن يضمن الدستور "المشاركة الواسعة فى الحكم، وأن يوفّر الحريات العامة وحرية العقيدة وحرية اعتناق الآراء السياسية والعمل من اجلها". وطالب بتعديل القوانين والسياسات حتى تتسق مع الدستور "وبخاصة ماتعلق منها بالحريات العامة كقضايا الأجر المتساوى فى الشمال والجنوب، والأجر المتساوى للعمل المتساوى للرجل والمرأة، وقانون الصحافة وبعض مواد قانون العقوبات [29]"
وفى مناقشة ميزانية التعليم أمام البرلمان قال ح.أ. زروق "أما عن الأموال التى ستنفق على التعليم فى الجنوب فأريد أن أقول أنه لو كان الأمر بيدى لضاعفت هذا المبلغ" الى ان يقول "ان الأموال التى صرفت على التعليم فى الجنوب فى الأعوام الماضية لتعد ثروة عظيمة بينما نجد ان العدد الذى حصل على التعليم قليل جدا فإلى أين ذهبت كل هذه الأموال؟[30]"
وجاء ضمن خطاب ح.أ. زروق وهو يناقش خطاب الدورة فى البرلمان "لم يذكر شئ واضح فى هذه الدورة عن الجنوب فتجاهلت الحكومة أن القومية فى تلك الجهات تختلف عن القومية فى الشمال ولم تضع شيئاً يناسبها أو يحمى الجنوبيين من استغلال الجلابة وغيرهم، نعم قدمت الحكومة بعض ارتفاعات فى الأجور للسلاطين ورجال الجيش والبوليس لأنهم يمثلون الجهاز الحكومى وتجاهلت الموظفين والمزارعين وغيرهم، وماذا يمنع الحكومة من تطبيق الأجر ليتساوى بين الشمال والجنوب طالما انهم يؤدون نفس العمل وبدرجة متساوية وطالما أنه لاتوجد مشاريع انتاجية ترفع مستوى المعيشة [31]" وفى مناقشة سياسة الحكومة الاقتصادية والمالية وقف ح.أ. زروق يقول "أما عن السياسة الاقتصادية بالنسبة للجنوب فتنحصر أهميتها فى رفع مستوى القوة الإنتاجية اذا أردنا الاستقرار السياسى ووحدة البلاد التى نحرص عليها جميعاً. وللأسف فان شيئاً من هذا لم يحدث فى الجنوب [32]" كما يقول أيضاً فى نفس مجلس النواب فى جلسة اخرى "المصير الذى نريده لبلادنا يا سيدى الرئيس يجب أن يضع فى اعتباره وحدة شعبنا وتوحيده فى الكفاح من أجل التحرر ونحن نعلم أن هناك فى المديريات الجنوبية تجمعات قبلية وقومية قهرها الاستعمار وخلفها فى وضع متأخر بدائى ظالم فعلينا أن نخلصهم من هذا التأخر والقهر القومى ونعطيهم حقهم فى وضع نظمهم المحلية وتنظيم وضعهم الخاص فى نطاق وحدة البلاد ومصلحتها العليا [33]"
تقول مذكرة أرسلتها الجبهة المعادية للاستعمار للسيد اسماعيل الأزهرى رئيس مجلس الوزراء والسادة الوزراء "لم تضع الحكومة سياسة صحيحة لتطوير الجماعات القومية فى الجنوب نحو الحكم المحلى أو الذاتى واتخذت إجراءات سطحية كتعيين بعض الوزراء الجنوبيين وتركت الجنوبيين فى نفس الحالة القديمة وبهذا خلقت الحكومة ظروفاً ملائمة لنسف وحدة البلاد وإضعاف الكفاح الوطنى[34] " وفى بيان ورد فى الميدان عن حزب الجبهة المعادية للاستعمار يقول تحت فقرة عن الجنوب "فى الوقت الذى كانت ترتفع فيه الصيحات الهدامة منها مايدعو لفصل الجنوب (بالقوة) وفى الوقت الذى كانت فيه أحزابنا الشمالية تؤجج من روح العداء والكراهية بين الشمال والجنوب كان حزب الجبهة هو أول حزب يتقدم بالحل العلمى السليم لهذه المشكلة: مشكلة العلاقة بين شقى القطر – (حماية التجمعات القومية من القهر القومى وإعطاؤها حق الحكم الذاتى وتنظيم قوانينها المحلية وفق ارادتها فى نطاق وحدة البلاد ومصلحتها ومصلحتها العامة وتصفية الحكم القبلى) " [35]
المقتطفات أعلاه توضح تناغم وانسجام موقف ح.أ.زروق والجبهة المعادية للاستعمار المستنير فى ذلك الزمن الغابر فى حماية التجمعات القومية من القهر القومى وإعطائها حق الحكم الذاتى وفق ارادتهم ودون ضغط واكراه و تطبيق الأجر ليتساوى بين الشمال والجنوب و"حماية الجنوبيين من استغلال الجلابة" ولعل تلك أول مرة ترد فيها عبارة الجلابة.
نبرة الدفاع الحمائية العطوفة فى مقتطفات ح.أ.زروق لاتصدر من باب ادعاء أجوف من موقع امتياز ضمن نظام الخطاب المهيمن أو زيف الأنثربولوجيا المَتْحَفيّة للدفاع عن المهمّشين إنما يمهّد الفضاء حتى يتحدّث المهمّش المسحوق . وزروق ، فى نظرى، لا ينطلق من مفهوم الصّدَقة والإحسان، صدَقة "لسانك تتبرّع به لمن لا لسان له" وهو مفهوم أقرب لمفهوم الزكاة الإحسانى. ليت المجال يسمح للحديث عن استنارة من أسميتهم أعلاه فرداً فرداً. وليت لى من الزمن براح فى ذكر استنارة الأستاذين النيّرين محمود محمد طه وعبدالخالق محجوب حين قال الأول تعبيراً بليغاً هو"حل مشكلة الجنوب فى حل مشكلة الشمال" أو حين قال: "ساووا السودانيين فى الفقر الى أن يتساووا فى الغنى".
فى مقابل خطاب الحداثة التحررى والمستنير هذا دعنا نتأمل خطاب الحركة الإسلامية عبر استاذ أ.ح.عمر، أحد قادتها، فيما يخص نفى التعدّد الدينى فى السودان. يقول:
(1)" فالإسلام قد صار وحده هو المرجعية التي يحيل إليها العلمانيون عند محاكمة كسب الدولة أو الحركة الإسلامية. وهذا هو النجاح الأكبر للحركة الإسلامية. لأن مطلوبها الأعظم كان هو عودة التحاكم للإسلام واعتماده المرجعية الأساس لقياس كسب الفرد أو المجتمع أو الدولة. ولاشك أن كسب الأفراد والجماعات والدول يقصر كثيراً عن المثالات الإسلامية"
(2) ثم يقول على هدى رؤية مشروع ميثاق السودان الذي أصدرته الجبهة الإسلامية القومية إبان الديمقراطية الثالثة: "وانطلاقاً من هذه الرؤية الكلية ومن هذا التوجه صدرت المراسيم الدستورية والتي نصت على ان الإسلام هو الدين الهادي للسودان وهو الغالب للمجتمع يتجدد تجاوزاً للجمود ، ويتوحد تجاوزاً للطائفية وهو الشريعة الملزمة الموجهة لقوانين الدولة ونظمها وسياساتها لكن الدين الكتابي أو المسيحي أو الدين العرفي اختيار حر للجميع لا إكراه ولا حجر في العبادة تراعيه الدولة وقوانينها [36].
(3) يقول أ.ح.عمر لتحقيق "التنمية السياسية" والتى هى رديف ذو"أهمية عالية إلى جانب التنمية الاجتماعية والاقتصادية" قررت الإستراتيجية الشاملة أن "يقوم البناء السياسي في السودان على الوفاء بعهد الاستخلاف عن الله . بتأكيد سيادة المجتمع المؤمن، من خلال مؤتمراته التشريعية ونظامه الاتحادي الذي يراعى التنوع ، ويتقوى بحصيلته في أرضه"
(4) كما نصّ المرسوم الدستورى على "أن الحياة العامة ووظائفها مسئولية وأمانة وجهاد تؤديه القوات المسلحة وقوات الشرطة والأمن للدفاع عن الوطن" أى جهاد معلن ضد مواطنيه من ملة "الدين الكتابي أو المسيحي أو الدين العرفي". ويشدد فى مكان آخر من الورقة على "دعوة شباب الأمة للتدريب العسكري والإعداد الجهادي لتأصيل عملية التدريب فتربطها بالجهاد"
(5) وحددت الاستراتيجية القومية الشاملة للدولة (1992 - 2002م) للتعليم العالي "تأصيل الثقافة والنأي عن التغريب وجعل اللغة العربية هي الأصل في التدريس والبحث والاهتمام بدراسة اللغات والثقافات الأجنبية."
ثم الاستعلاء والغطرسة على من سبقهم من المسلمين كونهم سعوا "لإعادة المجتمع إلى المشارب الإسلامية النقية"!! أو كما قال.
(6) وتأتى قرارات ثورة التعليم العالي التى أصدرها رئيس الجمهورية في الرابع من ديسمبر 1989م بـ "الفراغ خلال العام الدراسي 90/1991م من الدراسات التحضيرية الخاصة باعتماد اللغة العربية لغة التدريس في التعليم العالي" استكمالاً لعدم الحساسية ونفى التعدّد.
الإسلام السياسى يرفض فكرة الحداثة، ويرفض مبدأ الديموقراطية ذاته لأن مبدأ الشورى مقيّد بتحريم الإبداع، حيث لايقبل الا بتفسير التقاليد (الاجتهاد) ، فالشورى لاتتجاوز أيّاً من أشكال الاستشارة التى وجدت فى مجتمعات ماقبل الحداثة، أى ماقبل الديموقراطية [37]. ينظر الإسلام السياسى "الى الشريعة بوصفها نسقاً معيارياً إلهياً وخالداً يقوم على القرآن والسنة" ولا ينظرالى "الفقه على انه محض تفسير إنسانى لتلك النصوص المقدسة [38]"
واذا توسلنا بمفهوم "العقل العام والتعليل العقلى وليس الإيمان والدافع الدينى" لايصح لنا توقّع اتفاق المسلمين العام أو الدائم "على السياسة أو التشريع الذى يعبر عن معتقداتهم الدينية [39]" حتى لو كان المسلمون هم الأغلبية المسيطرة والأكثرية.
يقول أ.ح.عمر "تطور النظام السياسي تدرجاً من العسكرية القابضة إلى نظام المشاركة الشعبية إلى التعددية ثم إلى التعددية التي يعززها الوفاق السياسي الشامل عبر اتفاقية السلام الشامل وكل تلك المراحل والتي تمت عن رؤية مسبقة وعلى بصيرة بالتحولات والتحديات كل ذلك يحسب للحركة الإسلامية وللإنقاذ" وهذا من باب اصدار حكم من دون الاستناد الى شواهد حقيقية اذ نحن نكتب هذا الكتاب فى نهاية عام 2008 وأمامنا كامل المشهد السياسى السودانى ومن ضمنه اعلان صلاح عبدالله قوش وعلى رؤوس الأشهاد أن مهمة جهاز الأمن لا تقف عند جمع المعلومات. هذا غيض من فيض خروقات عديدة للدستور منها تماطل فى تطبيق اتفاقية السلام الشاملة. وحق على الحركة القول ان الحركة الإسلامية أعطت والحركة الإسلامية أخذت من حريات على سبيل كلمة الإنجيل.
السمة الرابعة: غياب مفهوم جذرى للعدالة الاجتماعية.
هذا مرتبط بغياب التحرر فى الخطاب كونه يركز على مفهوم أضعف من المساواة وأبعد ما يكون عن مفهوم العدالة الاجتماعية. الأولى راهنية والثانية تاريخانية. العدالة الاجتماعية تنظر فى تاريخ علاقة الإنتاج أما مفهوم الزكاة ينطرح على مستوى التوزيع. زوبعة الزكاة ليس لها علاقة أصيلة بحل المشاكل الاجتماعية التى تواجه الطبقات الشعبية (تقرأ المستضعفين). وبهذا فان حركة الإسلام السياسى فوق مأزقى الحداثة والتحرر رزئت بغياب العدالة الاجتماعية. مسألة العدل بالنسبة للحركة لا تتجاوز الفهم القانونى لذلك تهتم بالجزاء والحدود الشرعية اكثر من اهتمامها بتوزيع عادل للموارد والنفوذ.
الحركة الإسلامية السودانية المعاصرة هى سلطة الطبقة العسكرية الحاكمة، سلطة لا تستطيع ولا ترغب فى اتخاذ موقف معادٍ للاستعمار الحديث والإمبريالية النيولبرالية وانما تقدّم له هديتين ، اذا تجاوزنا منافع تبادل المعلومات المخابراتية، وهما كسر شوكة الحركة المعادية للتبعية والنيولبرالية فى السودان ثم تعبيد الطريق للتدخل الإمبريالى الفظ واهدار السيادة الوطنية بصناعتها لأزمة دارفور ثم التقسيم اللاحق للسودان.
[1] أستاذ أمين حسن عمر( أ.ح. عمر) مثقف عضوى. وحسب التعريف القرامشى يتم البحث عن المثقف فى مجمل العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج فالمثقفون "هم منظمو الوظيفة الاقتصادية للطبقة التى يرتبطون بها عضوياً وهم حملة وظيفة الهيمنة التى تمارسها الطبقة السائدة وهم منظمو الإكراه الذى تمارسه الطبقة السائدة على سائر الطبقات والشعوب بواسطة الدولة" غالى شكرى، إشكالية الإطار المرجعى للمثقف والسلطة، المستقبل العربى، العدد 114 دراسات الوحدة العربية ،بيروت، أغسطس 1988 ص26 ضمن خالد كاظم أبودوح فى الحوار المتمدن العدد1847.
أمين حسن عمر: صحفي وكاتب وشاعر،عمل مديراً لمركز الدراسات والبحوث الاجتماعية88-1991، شغل منصب أمين عام وزارة الثقافة والإعلام 91-1993، عمل مستشاراً صحفياً لرئيس الجمهورية 93-1997، عمل وزير دولة بوزارة الثقافة والإعلام حتى العام 1999 ، عمل رئيساً لتحرير الأنباء اليومية السودانية، عضو الوفد الحكومي المشارك في مفاوضات اقتسام الثروة والسلطة/نيفاشا منذ اوائل2005 ثم وزير دولة بوزارة الثقافة والشباب والرياضة.
[2] صفاء صنكور جبار، تحليل الخطاب فى الدراسات الإعلامية (دراسة فى الأسس النظرية جامعة بغداد 1996 ص11ضمن حبيب مال الله ابراهيم)
[3] د.عبدالله ابراهيم "إشكالية المصطلح النقدى (الخطاب والنص)، مجلة آفاق عربية،بغداد، السنة الثامنة عشرة،آذار 1993،ص56.
[4] د.سعد علوش،معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، الدار البيضاء، سوشير سن 1985، ص83 ضمن حبيب مال الله ابراهيم.
[5] نشر أستاذ أمين حسن عمر هذه الورقة بعنوان "مقاربة الإنقاذ للمشروع الإسلامي وأثرها على مستقبل الإسلام بالسودان" فى سودانايل فى سبتمبر 2008.
[6] نورمان فيركلف "جدل الخطاب" يوليو 2003
Norman Fairclough, http://www.ling.lancs.ac.uk/profiles/263
[7] انطونيو قرامشى "مذكرات السجن 1929-1935"1971ضمن نورمان فيركلوف.
[8] نورمان فيركلوف، السابق
[9] Bourdieu P. “A reasoned utopia and economic fatalism”, New Left Review 227, 1998, pp.25-30
[10] نورمان فيركلوف ،السابق
[11] ٍِSamir Amin “Economic Globalism and Political Universalism: Conflicting Issues” Journal of World-System Research, Vol.1,3,Fall/Winter 2000, pp582-622 Special Issue: Festchrift for Immanuel Wallersein – partII.
[12]السابق.
[13] نورمان فيركلوف ،السابق
[14] سمير أمين، السابق
[15] مقابلة مع جورج طرابيشى، السفير 17يونيو2005.
[16] مقابلة مع جورج طرابيشى، السفير 17يونيو2005
[17] د.عبدالله النعيم "الإسلام والدولة والسياسة جدلية الفصل والوصل" رواق عربى العدد 40/41 ص 34
[18] مقابلة مع جورج طرابيشى، السابق فى السفير
[19] مقابلة مع جورج طرابيشى، السابق فى السفير
[20] تتبع خطى هذه التوطئة حثيثاً أُطروحة المفكر سمير أمين حول الإسلام السياسى والتى لخصها فى ملحق 6 من كتاب "مابعد الرأسمالية المتهالكة"،اصدار: دار الفارابى وفى الحوار المتمدن عددى 14فبراير2006عدد1461 و8 فبراير2008عدد 2185
[21] سمير أمين "الحوار المتمدن" 14فبراير2006عدد1461
[22] سمير أمين الإسلام السياسى فى خدمة الإمبريالية، الحوار المتمدن 8 فبراير2008 عدد2185
[23] سمير أمين ، السابق
[24] د.عبدالله النعيم ،السابق ص 34
[25] د. عبد الله بولا "شجرة نسب الغول في مشكل "الهوية الثقافية" وحقوق الإنسان في السودان" أطروحة في كون الغول الإسلاموي لم يهبط علينا من السماء"
http://sudan-forall.org/sections/ihtiram/images/ihtiram-nov05-dr.bola.pdf
[26] د.عبدالله النعيم ، السابق ص 29-30
[27]ص30. د.عبدالله النعيم ،السابق
[28] سمير أمين ، السابق
[29] محمد سليمان "اليسار السودانى فى عشرة أعوام " 1954-1963، مكتبة الفجر-وادمدنى ص 173-176
[30] جلسة مجلس النواب ،الجلسة رقم 34 السبت 26يونيو 1954 ضمن محمد سليمان "اليسارالسودانى..."ص25.
[31] الجلسة الثالثة لمجلس النواب ، الثلاثاء 22 فبراير 1955 ضمن محمد سليمان السابق ص95.
[32] الجلسة السابعة لمجلس النواب ، الثلاثاء 22اول مارس 1955 ضمن محمد سليمان السابق ص101.
[33] مجلس النواب الدورة الثالثة الجلسة رقم 32 الثلاثاء 16 اغسطس 1955 ضمن محمد سليمان السابق ص 138
[34] الميدان العدد 70 الإثنين 4 ابريل 1955 والعدد 71الخميس 7ابريل1955،ضمن محمد سليمان السابق، ص 123.
[35] الميدان العدد 135 الإثنين 19ديسمبر 1955 ،ضمن محمد سليمان السابق "اليسار ...." ص162
[36] مشروع ميثاق السودان الذي أصدرته الجبهة الإسلامية القومية إبان الديمقراطية الثالثة
[37] سمير أمين ، السابق
[38] د.عبدالله النعيم "الإسلام والدولة .." السابق ص30.
[39] د.عبدالله النعيم "الإسلام والدولة .." السابق ص36
فى الرد على أستاذ أمين حسن عمر
(2 من 5)
بؤس فكر إنتلجنسيا الحركة الإسلامية الرثّ: عقود انحطاط وإعادة إنتاج الشمولية
أُمثولة استاذ أمين حسن عمر مثقف الحركة الإسلامية العضوى
ونخب اُخرى
خطاب الحركة الإسلامية: فراغ واسع ينطوى عليه الفكر
أشرنا أعلاه الى الفراغ الواسع الذى ينطوى عليه فكر الحركة الإسلامية وليس فقط "طلاق الفكر عن الممارسة" و"الازدراء بالمفكر ومصطلحه" داخل الحركة الإسلامية الذى أشار اليه دكتور ع.ع. ابراهيم [1].
تؤكد مسعانا على أرض الواقع السودانى شهادة د. عبدالوهاب الأفندى كإسلامى يتعامل مع مشروع الحداثة الراسمالية بمنطق تفاوضى رغم أنه كان يغازل شمس الحركة الإسلامية السودانية الغاربة حتى صيف 1996. يقول الأفندى أن "الغالب على أفراد الطبقة الحاكمة" فى السودان "كان البعد عن امور الفكر واعتبارها شأناً انصرافياً فى مقابل الاهتمام بمنطق القوة والتغالب [2]" وقد صدق د. التجانى عبدالقادر (الذى لجأ مؤخراً الى استخدام خطاب ماركسى تبسيطى لتحليل مآل الحركة الإسلامية النيولبرالية فى السودان؛ وليتنى أعود الى ذلك فى براح آخر) حين أكّد أن ضآلة "المفكر" فى الحركة الإسلامية قد بلغت "حداً قال فيه أحد الأوفياء الخُلّص للترابى، ان عيب الترابى أنه لا يدع الترابى المفكر يتدخل فى شئون الترابى السياسى" [3]
ويقع فى دائرة مزاعمنا ماتوصّل اليه الأمريكى الأسود عبدو مالكم سيمنون أن الحركة الإسلامية "تعانى من عشوائية تلبستها ولا برء لها منه. وعرّف هذه العشوائية بأنها تحويل أجندة سياسية لا معنى لها الى نظريات متفائلة لإدارة التطور الاجتماعى" [4]
يدّعى حسن الترابى رشاد الطريق الدينى (خارج اطار خاصة الفرد المسلم) للعدالة الاجتماعية ويُعلى تفوق الإسلام السياسى على سائر المدارس الفكرية و"يجعل من واجب التفكّر وممارسة الدين مشروعاً شعبياً مفتوحاً بدلا عن قصره على مجرد الخاصة الصفوية"[5]. وعلى هذا النهج سار تلاميذه التجانى عبدالقادر وعبدالوهاب الأفندى والطيب زين العابدين كونهم يدّعون مصداقية وعقلانية ويحاولون عبثاً إعادة الحركة الإسلامية الى جادة الطريق القويم. وفى مشهد مقارب يطرح د. ع.ع. ابراهيم تعميماً مُربكاً ومُبهماً عن أمّة مسلمة مبرأة من الضلال فى قوله: "أمة المسلمين- التى هى فى قوله (صلى الله عليه وسلم) لا تجتمع على ضلال – لها الكلمة الأخيرة فى التشريع عبر هيئاتها الشورية" [6].
أحد مزاعمى فى هذه الورقة هو أن الحركة الإسلامية لن تستطيع صبراً على دولة المواطنة التى فرضها أمر نيفاشا الواقع ومستحقاتها. وسيظل تطبيق دولة المواطنة (حاكمية الشعب) والديموقراطية (حكم الأغلبية) ودعوة بعض الإسلاميين لقيام "المعرفة على فقه شعبوى تكون فيه أمة المسلمين مصدرا للشريعة" [7] هو حلم الحركة الإسلامية العصى والإشكالى ازاء المشروع الحداثى وعالم التنوّع والذى دونه سطوة مركزية راس المال والنفوذ وإرث ولاية الفقيه (والمشيخة الدينية) وسلطاتها المطلقة على العلماء والجماهير.
حزمة الخطاب المنفصم: مفهوم نقدى زائف ومكائد ذهنية ولفظية ثم بيع سلع ثقافية بائرة
تعكس ورقة أستاذ أ.ح.عمر بوضوح المستوى الفكرى والسياسى لأحد قادة ما أطلق عليه اسم "الحركة الإسلامية" امتداداً لأسمائها العديدة السابقة (جبهة الميثاق، الأخوان المسلمين، الجبهة الاسلامية القومية، الإنقاذ، حزب المؤتمر الوطنى). سنتناول أدب مفكرى الحركة السابقين حتى نصور حركة منهجها وخطاباتها. التصدّى لتحليل فكر الأخوان المسلمين مهمة هرقلية مضنية لأن المتابعة تسوق الإنسان عبر مغالطات ومفاهيم غامضة وهلامية ولاعقلانية وترديد تبريرات تعوزها المصداقية والأمانة مع النفس. انه فكر لا يبشّر بالثورة بل يهدّد بها فى عبارة نسبها د. ع.ع. ابراهيم الى مزاج حسن الترابى[8]. عشمى أن يصبح هذا التمرين ذا فائدة لمن يلقي السمع وهو شهيد. تغيير اسم التنظيم فى العقود الستة الماضية فى حد ذاته يعكس مستويين من العقل الذى تتناول به الحركة الإسلامية السودانية الإشكالات التى تعترض طريقها: مستوى الإفراط الإيدولوجى فى توظيف فقه الضرورة لإنجاز "مكاسب سياسية وتنظيمية على حساب المبادئ والمواقف"،وأضيف على حساب احترام الذات، كما عبرعنه بوضوح د. عبدالوهاب الأفندى وهو يصف سلوك حسن الترابى[9] ومستوى آخر يتعلق بافتراض انهم يتعاملون مع شعب فاقد الذاكرة ثم يستثمرون ذلك النسيان. لكن الجديد فى خطاب حركة الأخوان المسلمين الآن، والذى لايخفى على قارئ مقال استاذ أ.ح.عمر، هو إعادة إنتاج الشمولية بأشكال جديدة تناسب مرحلة مابعد نيفاشا.
احترتُ مليّاً من أىّ المداخل المنهجية أعالج مقال أستاذ أ.ح.عمر الذى تمّ إخراجه وكأنه يصطحب جميع حقول المعرفة،ثم لا حقل. طرح بلاغى وخطابى أكثر منه تحرّ للصدق والمصداقية. وهويستخدم،بحسب فيليب بروتون، تقنية الاستغلال والهيمنة من خلال القول. إن قوة الكلام ينبغي أن تكون في الصدق وليس في الزخرف البلاغي والتلفيق مما ليس مرعياً على الإطلاق في ديمقراطياتنا الحاضرة [10].
ورقة أ.ح.عمر بالنسبة لى تجسيد لكل مشهد إلا الصدق مع النفس وهو يدخل فى باب البداهة التى تقوم على الوهم
fictional axiomatization
لأنها تستعرض جميع مكائد الأدلجة الفقهية والاقتصادية والصحافية المبتذلة لغاية مكر الذهن العربسلامى. يسعى أستاذ أ.ح. عمر بعصابية دؤوبة لتحييد السياق التاريخى للواقع السودانى البائس الماثل الذى صنعته أيادى الحركة الإسلامية الأخطبوطية المُذنبة. وفى سعيه هذا يتخلّق واقع زائف يصنعه بذهن ماكر، تعوّد التحليق فى سماوات ايدولوجية اللاعقلانية وسلطتها الباطشة. هدف البداهة الواهمة أن تبدو بمظهر العقلانية والمنطق ومنْ ثمّ تشويه مفاهيم وأسئلة تقع فى حقول الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد السياسى حسب موقع المتلقّى الذى هدّت جسده المُستَضْعف سياسات الإنقاذ وحطّت على روحه الهائمة أشباح السهو والذهول. لعلّه ينفى بذلك،فى سياق البؤس السودانى المعاصر، بداهة الظلم الطويل المركّب الواقع على شعب السودان منذ أن سطت الحركة على السلطة.
صناعة القبول والتراضى
Manufacturing of consent
نُصَنّف الورقة ،فى أحد وجوهها، فى باب صناعة القبول والتراضى،باستلاف عبارة نعوم تشومسكى، كخطاب يردده مثقفو الحركة الإسلامية (الإسلام السياسى) العضويون حمَلَة وظيفة الهيمنة حتى يمشى الركبان بالخطاب خاصة فى زمن ضعف المقاومة وقلّة حيلتها. فقداختار النظام الديكتاتورى لنفسه اسم "الإنقاذ" أى إنقاذ المجتمع السودانى من البؤس والرشوة والفساد، ثم ردّد قياديوه اسمه الجديد "الإنقاذ" حتى صدّقوه ثم حملته ألسنة الشعب. وللمفارقة تبنته قيادة المعارضة! كما رددت الحركة الإسلامية فيما بعد شعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" الذى سرعان ما انزوى واستبدل بآخر يحسبه الظمآن ماء.
كانت المقاومة على أيام نميرى تطلق عليه عبارة الحاكم الفرد والسفاح فالتصقت به العبارة كالتصاق الجرَب بالجلد ونعجب كيف نجا عمر حسن البشير من هكذا عبارة. وعلى نفس المنوال تتخلّق الآن على يدىْ أستاذ أ. ح. عمر عبارة "الحركة الإسلامية" بدل "الإنقاذ" لما لها من قوة وبريق آيدولوجى إقصائى محسوب وكأنه يتحدث باسم مجمل الحركة الإسلامية السودانية من صوفية وأنصار وختمية وأنصار سنة الخ. ولذلك وردت عبارة "الحركة الإسلامية" فى هذه الورقة 39 مرة على سبيل غسيل المخ حتى يترسّخ التعبير ويمشى به الركبان وفق مرحلة انتقالية يعيدون فيها انتاج الشمولية تماشيا مع فقه ضرورة المراحل. فى تحليلنا للخطاب نستهدف "جمع الأفكار الواردة واحتسابها وتسلسلها حسب أهميتها وتكرارها، على أساس أن التكرار يؤدى اما الى ترسيخ فكرة جديدة أو إحلال فكرة مكان اخرى أو امحاء فكرة محددة [11]" وهذه الخاصية،خاصية التكرار، ميّزت خطابات الحركة منذ نشأتها وهى تتخبط عبر المراحل كون فكرها يفتقد الأصالة والأصولية (عكس الزعم الشائع فى خطاب الإعلام الغربى) ومشبّع بالوصولية.
يلعب أستاذ أ. ح. عمر دور منظّر يصوغ رؤية ثم هيكلاً نظرياً/فكرياً كخارطة طريق للمرحلة الانتقالية القادمة (التمكين الديمقراطى) وقد وضع له محاور استراتيجية ذات عماد وأوتاد وعلى بقية المثقفين الإسلاميين العضويين والكتبة وضع اللحم على عظام الهيكل النظرى. ولكن يأبى المشروع أن يقف على رجلين لبؤس منهجه وعدم مصداقيته. ذلك لان المشروع يدّعى شرف المستقبل وينكر تُهمة ماضٍ دموى قريب لم تجف بعد دماء ملايين من ضحاياه الموتى ودموع ضحاياه الأحياء المعوّقين فى اجسادهم وارواحهم. وكشأن ملوك بوربون الفرنسيين،الذين لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً، ادّعى أستاذ أ. ح. عمر شرف "المرجعية الإسلامية" ورفع عقيرته بتهاليل نصرتها الزاعقة المتشنجة وأنكر تهمة عواقبها القياموية الماثلة على عتبة كل بيت سودانى ببداهة متوهمة لا يحسد عليها. فقد قال أستاذ أ. ح. عمر مهلّلاً:
"الإسلام قد صار وحده هو المرجعية التي يحيل إليها العلمانيون عند محاكمة كسب الدولة أو الحركة الإسلامية. وهذا هو النجاح الأكبر للحركة الإسلامية. لأن مطلوبها الأعظم كان هو عودة التحاكم للإسلام واعتماده المرجعية الأساس لقياس كسب الفرد أو المجتمع أو الدولة"
دعنا نفترض جزافا إن هذا الزعم سليم (ولكن العكس هو الحاصل على مستوى الجماهير وحقائق الواقع)؛ أىْ زعم أن التحاكم للإسلام واعتماده مرجعية هو غاية المراد وهو فعلاً ما حدث. هذا ليس بجديد، فقد تم اعتماد مرجعية الإسلام فى أحد أزهى عصوره مما لم يمنعه من تقديم أبشع نماذجه. لقد تم "التحاكم للإسلام واعتماده المرجعية الأساس لقياس كسب الفرد أو المجتمع أو الدولة" حينما عذّب الخليفة العباسى أبوجعفر المنصور الإمام أباحنيفة والإمام مالك مقياس لنجاح الدولة الإسلامية؟ فقد أمر أبو جعفر بضرب أبي حنيفة (ثمانين سوطاً) لأنه رفض أن يتولّى له القضاء وضرب الإمام مالك بن أنس (ثمانين سوطاً) لأنه أفتى بجواز خروج محمد بن عبدالله العلوى عليه. ألم يكن تعذيبه لهما داخل المرجعيّة الإسلامية؟
ثم من أوحى لأستاذ أ. ح. عمر بأن مرجعية التقدميين فى تفكيك بؤس الإسلام السياسى هى مرجعية إسلامية بحتة؟ وما بالك بمرجعية خالدة ومقدّسة عندكم تُزلزل منكم الفكر وتطبيقه وليس لكم منها فكاك؟ هى مرجعية تبعية الحركة الإسلامية للراسمالية ونيولبراليتها التى أصبحت مرجعيتكم المقدسة بل وقبلتكم الوحيدة؟ وليتك اخفيت سعادتك العجولة بهذه المرجعية التى كيّكتُم فيها حتى باضت منهج الإقصاء وسياسات الاستبعاد وباقى تفاصيل الجريمة المرعبة. ذلك لأن التاريخ العربى المعاصر أثبت أنه متى تم استخدام التقدميين للمرجعية الدينية ترغى الأصولية وتزبد وتتحسّس طبنجاتها كما تحكى تراجيديا شهداء المرجعية: حسين مروة ومهدى عامل والأستاذ محمود محمد طه وجورج حاوى.
ثم أن العودة للمرجعية الإسلامية والأصول نزل على المجتمع بالساحق والماحق والبلاء المتلاحق كما فى العراق وحين "أصبح الدين هو المرجعية انقسم المجتمع الى سنى وشيعى، ثم سنى وهابى، وآخر غير ذلك، ثم انقسم الى سنى مالكى وآخر شافعى وثالث حنبلى ورابع حنفى، هذا فضلاً عن الانقسام الشيعى بين العلوى والإسماعيلى والإثنى عشرية وغير ذلك، ومعنى ذلك هو أن تحل صراعات مصطنعة محل الصراع الطبقى المعبر عن مصالح حقيقية وهذا هو بالضبط المشروع الاستعمارى، وهو نفسه مشروع صراع الحضارات[12] "
وعلى ذكر المرجعية نتساءل إزاء تلك الورطة التى انحشر فيها دعاة الشريعة "كيف يمكن للفقيه ان يستنتج فى نهاية عملية تقييم وبحث تجريبية تماما للوقائع والنصوص (الدينية) التى تحت يديه، أن ما انتهى اليه من نتائج يمثل مرجعية إلهية فوق بشرية[13] "؟ وعلى كل حال فان المرجعية الإسلامية فى نهاية المطاف ليست هى الا الفهم الإنسانى للنصوص الإلهية لفلان أو علان أو المجتمع المحدد وأن حكومة الحركة الإسلامية سعت الى إضفاء الشرعية على سلطتها عبر "توظيف اطارها المرجعى الإسلامى[14]" بقوة السلاح. لو كنت مكان استاذ أ.ح.عمر لما أعلنت فرحى بتلك المرجعية كثيرة الإشكاليات حيث لاجدوى لإطار مرجعى تعادى مضامينه الحداثة.
خطاب الاقتصاد الإسلامى النيولبرالى
ينكر الإسلاميون مرجعيتهم الغربية وأحياناً يسبّون ثقافتها النيولبرالية و"ما أضرّ الحركة الإسلامية شيء مثل انكارها ثقافة الغرب ومناهجه التى هى فى صلب مرجعيتها. فقد غلب عليها هذا الإرث مع انها ظلت تتكتمه وتصور الأمر لنفسها وكأنها النقيض له بل ان مشروعيتها نفسها فى أن تكون النقيض لهذا الفكر الوافد المسيحى الاستعمارى. وقد كشف تورط الحركة الإسلامية فى الحكم فى دولة الإنقاذ أنه ليس بوسعها أن تغالب الاعتراف بمرجعيتها الغربية لأطول مما فعلت"[15]
وقد قال د. ع.ع.ابراهيم أيضا بلسان حسن مكى "أن الحركة الإسلامية لم تستنبط برنامجا حضارياً اسلامياً بديلا لما تواضع عليه الغرب لبؤس عدتها الفكرية[16] "
أما أستاذ أ.ح.عمر فيغلظ القول والمفهوم كما يلى:
"وفي هذا النسق (نسق تعديل القوانين والغائها) تم إلغاء القوانين الخاصة بتنظيم التجارة . وأعيدت صياغتها مراعاة لمنهج الدولة في تحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة . وبسطاً لحرية التجارة ومنعاً لنوازع الاحتكار الضار" (قانون تشجيع الاستثمار 1990 وقانون تنظيم التجارة 1994م)" (التخطيط من عندى)
من أول مهام وثيقة الاستراتيجية القومية الشاملة هو "الانتقال بالاقتصاد السوداني الى مرحلة التحرير الاقتصادي المتكامل وفك قيود الإدارية والإجرائية في كافة مفاصله وتحرير قوى السوق وإطلاقها لدفع مسيرة الاقتصاد" ويقول أن النظام المصرفى السودانى "مربوط بمنهجية الفكر الاقتصادي الاسلامي وسياسات التحرير الاقتصادي" الغربى. الى أن يظهر السبب ويبطل العجب بـ "دور النجاح الاقتصادي الذي مثلت فيه سياسات التحرير رأس الرمح في تثبيت دعائم النظام السياسي منذ 1989م" . لاريب فقد ارتبطت مسيرة التحرير الاقتصادي عموماً ببرامج الإصلاح والتكيف الهيكلي الغربى.
اذن تصبح القسمات المميّزة للاقتصاد الإسلامى،حسب غليظ منهجه، هى:
أولاً: بسط حرية التجارة وإلغاء القوانين الخاصة بتنظيمها.
ثانياً: تحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة وتطبيق برامج الإصلاح والتكيف الهيكلي المفروضة من مؤسسات الغرب.
هذا هو جوهر منهج وفكر وبرنامج الراسمالية النيولبرالية الإمبريالية فى أبشع مدارسها محافظةً (من الريغانية والتاتشرية الى جورج دبليو بوش وساركوزى الفرنسى وستيف هاربرالكندى). وفى هذا المنعطف ينزوى خطاب العدالة الاجتماعية والتكافل خجولاً دون حِراك.
تطابق الحركة الإسلامية مع امبريالية النيولبرالية يبدو فى افضح تجلياته فى السوشيو-اقتصادى:
أولا: فى دفاع الحركة الإسلامية عن الطبيعة المقدسة للملكية.
ثانياً: انه يجيز عدم المساواة وكل متطلبات اعادة الإنتاج الراسمالى. وتشهد على ذلك عشرات القوانين النيولبرالية التى تفتخر بها الحركة الإسلامية السودانية منها قانون بنك السودان وقانون تنظيم التجارة وقانون الزكاة الخ.
ثالثاً: التخلى عن المنظور المعادى للإمبريالية واستبداله بالموقف المعادى للغرب المسيحى الذى يستثمرالإسلاموفوبيا (كره الإسلام) التى تعطيه مصداقية لخطابه المعادى للغرب.
ويجدر الحديث هنا عن اسلام يعادى الإمبريالية سياسياً، رغم انه رجعى اجتماعياً (ايران وحماس وحزب الله).
زبدة القول هنا ان تعلّق الشعوب بالقناعات الدينية لا يقود بالفطرة الى امبريالية وكذلك الإسلام السياسى ،عموماً،ليس بالفطرة ظلامياً ولكن مصالح الطبقات المحلية والتحالفات الإمبريالية هى التى أنتجت صيغ الإسلام السياسى المتحالف مع الغرب فى السودان والسعودية (وحماس حين كانت تنعم بشهر عسل مع اسرائيل لضرب التيارات الديمقراطية والعلمانية فى المقاومة الفلسطينية)
لا يغيب على منطقنا العام ان تعاليم الشرع ضد الاستغلال هى حصيلة لصراع الإنسان ضد الظلم وان نفس التعاليم يوظفها طغاة متسلطون لتبرير ادارتهم لتراكم راس المال ومستوى تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج.
وهنا يبدو فكر الحركة الإسلامية راسمالياً غربياً ونيولبرالياً قُحّاً دون أن يتستّر بنص مقدّس يسترعورته.
ويصبح خطاب المثقف الاسلامى (وليس المثقف المسلم لأننا جميعاً مسلمين) الأيدولوجى عارٍ من حديث وآية تمنحه القداسة والطمأنينة الّا من "منهج تحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة" النيولبرالية وروشتة البنك الدولى والصندوق. وهكذا لم يخرج النظام الاقتصادى الإسلامى من النظام الراسمالي قيد انملة.
أما ماتحته خط من عبارته " ومنعاً لنوازع الاحتكار الضار وتنظيماً للأسعار السلعية" فهو من شاكلة نشيد "الثورة الحرية الحمراء شمس لا تغيب" والتى انبعثت من مايكرفون جامع البركس وهم من نسيج آيدولوجية تغبيش وتعمية طفولية.
كان ذلك هو فكر الراسمالية وتطبيقها الذى أفرز أمراضها. حينها لجأ الأنبياء الكذبة الى الزكاة كوصفة اسلامية العنوان والى مشروع تسويقى جديد يلهوننا به هو فكرة منظمات المجتمع المدنى (من شاكلة جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصندوق دعم الطلاب ومؤسسة الشهيد الخ) التى تتنزّل وكأنها ليلة القدْر بكل أمرِ سلامٌ وكأنها ستخفّف أمراض النيولبرالية التى كرّسوها. وتقول البداهة الدرامية: حين يبلغ شهرزاد الصباح يتم رتق قَدْ شملة كنيزة الرباعى وتتولّى الحدود ونيران الجيش والجنجويد فى معسكرات كلمه وزمزم معالجة الشرخ الاجتماعى والنفسى المبين.
دأبت قيادات تنظيمات الإسلام السياسى منذ نعومة أظفارها على ركوب كل السروج المدبّبة والناعمة لذا لم يشذ أستاذ أ. ح. عمر عن تلك القاعدة حين سبّ (فى ظاهرتوطئته): "هيمنة مناخ تسيطر عليه الثقافة الغربية التي لا ترى في أية محاولة لمفارقة توجهاتها وخياراتها إلا ضلالاً وجهداً مضيعاً" ولكنه سوّد جميع الصفحات الأخرى مسبّحاً بحمد الفكر النيولبرالى وتطبيقات خصخصته كما سنرى (مثلا: قانون تنظيم التجارة 1994 وقانون المصارف 1991)!!
فهو ركّاب ثلاثة سروج: يصلى خلف على ويأكل مع معاوية ويلعنهما مع الخوارج.
تمثّل "الحركة الإسلامية" سياسياً شريحة عظمى من الراسمالية السودانية المعاصرة وقد ساقتها عنوة فى درب آلامها نحو التبعيّة الاقتصادية النيولبرالية وتحالفت مع راس المال المالى العربى والإسلامى. والأخير ساعد جماعة الإسلام السياسى فى السودان على فرملة قوى النهضة الوطنية السودانية ونصرتها فى هجمتها الهمجية الآن على عموم أهل الضواحى السودانية بدون فرز. ولذلك يصبح حديث أستاذ أ. ح. عمر عن دور"الحركة الإسلامية" فى قيادة نهضة اجتماعية واقتصادية وثقافية وعدالة اجتماعية وتكافل اجتماعى لا محل له من الإعراب ولغو من لا يختشى.
اذا كان ذلك كذلك فان مقاربة أستاذ أ. ح. عمر لا تخرج عن كونها مشهداً من مشاهد التجسير الإصلاحى للراسمالية الإسلامية من مرحلة النهب البدائى والصريح للقطاع العام (الرشوة والفساد والقمع والعنف) الى نهب الراسمالية وآيدولوجيتها المعاصرة أو هكذا يحلم المنظرأ.ح.عمر بطريق ملَكَى بعد عبور الجِسر، جسر نيفاشا المؤدى الى انتخابات سرجى مرجى. كلما اتامّل الجسر الرابط بين ضفة (التراكم البدائى الراسمالى فى أمريكا من استرقاق الزنوج وقمعهم وابادة السكان الأصليين) وضفة اللبرالية بذهبها ومعادنها يبدو لى التناقض على أشدّه مع سودان حركة إسلامية طفيلية ضالعة بين بربرية الاسترقاق وإرثها (وبدائية حروب الجنوب وجبال النوبة ودارفور والمذابح الإبادية وتهجير الشعوب وقمع قوى النهضة فى الوسط) وبين اكتشاف البترول والذهب. ومثلما قال سمير امين فان الاستغلال المطلق يحتاج الى ايدولوجيا مطلقة لتبريره وتمريره فكانت آيدولوجيا وديماجوجيا العربسلامية تحرسها الأنتونوف والملوتوف ودفاع الجنجويد الشعبى.
عبثاً يحاول أستاذ أ. ح. عمر فى مقالته ،وهو ينعم بدعاش الاستوزار والأكاديميا الآنى، إخفاء عمامة ودالبلد الرابض بين شوفينية المركزية الإثنية وغلواء التطرّف الإسلامى. وبين سطور الخطاب الذى يتجمّل بالفصحى لا تخفى على القارئ مشاهد دراما يحى بولاد وعلى الحاج وخليل ابراهيم (وفى تخوم الجنوب عرضوا ألف دراما ومشهد) على خلفيّة مسرح بِنية نفوذه وموارده وهذا أمر نخشى ألّا يسوق الضحية والجلاد معاً ليوم كريهة وضياع ثغرعزة وهذا متروك للرواة.
ولأن يدي أستاذ أ. ح. عمر صُفرٌ (حتى لانقول مضرّجتان بالأحمر) من المصداقية والأمانة أتى مفهوم نقده الذاتى للحركة الإسلامية ،أصالة عن نفسه ونيابة عنها، ملتوياً وخادعاً.
خطاب صناعة الزيف والوهم:
أولا: النهضة الحضارية الشاملة
يقول الأستاذ أ. ح. عمر بقوة عين عن نهضة حضارية وعن سماحة و"أُسس دستورية" لا وجود لها وكأنما لم تكتب تلك المراسيم الدستورية تحت زخات الرصاص وبحار الدم أو كأنها كُتبت فى الساحات الشعبية بعيدا عن الغرف المغلقة جيّدة التكييف. أو كأنما كانت حرية اتخاذ القرار وبسط المساواة والعدالة عناصر مكونة لتلك الحضارة الشاملة.
لم يتبرّع أستاذ أ. ح. عمر بتعريف النهضة الحضارية الشاملة التى ينشدها وافترض أن نسلّم جدلاً بعدلها الاجتماعى ومساواتها. ليته أقرّ بأن عمادها هو "الرؤية الوسطية التى اعتمدتها الحركة الإسلامية" كوسط حسابى بين النيولبرالية الغربية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية (وقيل الثقافية) وبين استبداد الشرق وتفسّخ حضاراته. لعلّ محصّلة هذا الوسط الحسابى هى النيولبرالية والتى تتشبّع بها رؤيته هنا من خصخصة مؤسسات القطاع العام والتعليم والصحة باستثناء ميزانية السيف (الأمن والدفاع والمخصصات السيادية). تلك هى لحمة وسداة مشروع النهضة الحضارية الذى بشّرنا به أستاذ أ. ح. عمر "دورة جديدة من دورات الحضارة الإسلامية تكون لها الريادة الحضارية بإذن الله في عالم تكاثرت فيه أزمات الحضارة الغالبة حتى تكاد تؤدي بالإنسانية جمعاء إلى هلاك مبين" والمنجّم وحده يدرى كيف تسلس لها "الريادة الحضارية" وهى تابعة ذليلة لا عِلماً كسبت ولاتقنية.
يا ترى ما هى فصول دورات الحضارة الإسلامية القديمة ومقوّماتها وما هى عناصر الدورة الإسلامية الجديدة؟ هل سينطلى ذلك على 95% من الشعب السودانى الرازحين تحت خط الفقر أو خارج التاريخ الإنسانى مِن مَن جوّعتموهم/ن وشردتموهم/ن وأغميتم عليهم/ن وأدخلتم فى قلوبهم/ن الرعب وفى أحشائهم/ن المرض والمسغبة من أجل برنامج الحضارة النيولبرالية الغربية العالمية "الغالبة" التى كادت أن "تؤدي بالإنسانية جمعاء إلى هلاك مبين"؟
الحضارة الشاملة التى يتوعّدنا بها أستاذ أ. ح. عمر هى حضارة غربية وفلسفتها "التى لا جدال حولها هي فلسفة التطور (الراسمالى) التي لا بقاء فيه لضعيف إلا تحت سطوة القوى الغلاب" (الأهلّة من عندى) وتمارس الحركة الإسلامية الآن تلك السطوة غِلاباً وقهراً تماماً مثل سلطة الغرب.
ثانيا: قدوة التعليم والدعوة والتعبئة والتوعية
ويمضى الأستاذ أ. ح. عمر داعياً الى ترسيخ قيم "الدعوة من خلال اقامة القدوة والأنموذج".
ويستمر فى المغالطة: "وليس مثل التعليم والدعوة والتعبئة والتوعية شيء في إحداث هذا الحراك الـمفضى إلى وعي جديد وتطلعات جديدة"
وبحسب هذا المنطق كان حريّاً بالحركة أن تبدأ بهذه الأبجديات والقيم وأنشطة الـ" التعليم والدعوة والتعبئة والتوعية " بصبر بدلاً عن فوهات البنادق. هذا كذب ونفاق لا أكل ولا شرب. لقد تستّر الغول الإسلاموى بضباب قباب "القدوة والأنموذج" وأضرحتها – ما أكثرها - فاستفحلت رشوة وفساد واحتكار مال وشركات ونفوذ.
ثالثاً: منهج الأخلاق فى فلسفة التخطيط الاجتماعي والاستراتيجية القومية الشاملة
تأمّلوا معى هذا الاقتطاف الطويل:
"ولا شك ان استخدام وسائل السلطة في انفصال عن وسائل الدعوة والتعليم والاقناع لا يجدي إلا نفعاً قليلاً فاستراتيجية التخطيط الاجتماعي المستند إلى الدولة هي استراتيجية تأثيرية أي أنها تكتفي برسم المقاصد وتشير إلى الوسائل . وتسعى من خلال التشريعات لإزالة المعوقات . ولكن المسعى الرئيس لإحداث تغيير في المجتمع إنما هي المسعى الطوعي الدعوي . ذلك لأن الاعتماد على القوة والتفويض وحدهما لا يأتي بالنتائج المرجوة. لأن القوة قد يساء استخدامها فتصير سبباً للقسر والإكراه . والتفويض مهما كانت صورته يكون نسبياً ، حده الكافي لمنح الشرعية اعتباطي وعرفي ولا يمكن ضبطه على وجه الدقة ، فضلاً عن أن التفويض يمكن ان يستخدم في كثير من الأحيان ضد الأغراض التي من أجلها منح. والمنهج الأمثل الذي تتوخاه استراتيجية الاخلاق والرقي الاجتماعي هو ذلك الذي يقوم على المعايير الاخلاقية الثابتة الشاملة [17]. وهذه المؤشرات التي نشأت بموجبها وزارة التخطيط الاجتماعي"
أستوقفكم/ن لتأمّل عينة من تلك "المعايير الأخلاقية الثابتة الشاملة" التى يحبّرنا بها الأستاذ كأن تُحمى المؤسسات الإسلامية والعاملين عليها وأعضاء مجالس اداراتها بنص القانون وتعفى أموالها من جميع أنواع الضرائب ثم: "إعفاء مرتبات وأجور ومكافآت ومعاشات العاملين وأعضاء مجالس الإدارات والتمتع بأي إعفاءات أو امتيازات منصوص عليها في أي قانون آخر. ولا يجوز مصادرة أموالها أو تأميم أو فرض الحراسة أو الاستيلاء عليها؛ ولا تنطبق عليها القوانين التالية: القوانين المنظمة للخدمة و فوائد ما بعد الخدمة، وقانون ديوان المراجع العام لسنة 1970، أو أى قانون آخر يحل محلّه [18]" حتى تخزّن العيوش والغذاء الأساسى عن فقراء المسلمين والمسلمات وتحيل كل أيامهم/ن قمطريرا ، ثم تنشئ لهم/ن وزارات الإحسان ليستجدوا الفتات وهم صاغرون وهن صاغرات. ويأتى الخطاب زلقاً ماكراً من شاكلة: "لأن القوة قد يساء استخدامها فتصير سبباً للقسر والإكراه" !! (كل تخطيط فى هذه الورقة من عندى)
كنا سنحمدّ للأستاذ أ ح عمر أن يقول: قد أساءت الحركة الإسلامية فى السودان استخدام القوة وصارت سبباً للقسر والإكراه ولذا لزم علىّ الوقفة مع النفس وانتقادها. وبهذا أقدم استقالتى من وظيفتى الوزارية حتى يعتدل الأمر؛ ولكنه قال "القوة قد يساء استخدامها فتصير سبباً للقسر والإكراه" فجرح مصداقيته باستعمال حرف التخفيف "قد" بمعنى "ربما" ثم بنى فعله للمجهول وهو يعرف تماماً مثل جوع بطنه التى نسيت الجوع ان القوة قد ساء استعمالها فى الماضى (وكذا الحاضر) فصارت سبباً للقسر والإكراه.
انظر الى العبارات التى جرى بها قلمه دون أن يرمش له طرف: "الدعوة والتعليم والاقناع" و "المسعى الطوعي الدعوي" وانّ "الاعتماد على القوة والتفويض وحدهما لا يأتي بالنتائج المرجوة" وإن "المنهج الأمثل الذي تتوخاه استراتيجية الاخلاق والرقي الاجتماعي هو ذلك الذي يقوم على المعايير الاخلاقية الثابتة الشاملة"
وهكذا يدخلنا الكاتب فى "غلّوتية" الخطاب. وهو يعكس مراد آية الخطاب فى القرآن الكريم (وشددنا مُلكه) ولم نؤته الحكمة ولافصل الخطاب ثم يصدق عليه قول ماركس وانجلز فى الآيدولوجيا الألمانية "إن انتاج الخطاب فى كل مجتمع يخضع لرقابه ولاصطفاء ولتنظيم ومن ثم لاعادة توزيع وفقا لتدابير تهدف الى تحاشى سلطة و أخطار الخطاب واستبعاد اثر الاحداث عليه وتجنب ماديته الثقيلة" (راجع تعريفاتنا للخطاب فى الورقة)
توصّل منهج أ. ح. عمر الى أن مطلوب الحركة الإسلامية هو ليس هندسة المجتمع او صياغته عبر السلطان والسلطة بل عبر "مجتمع مدنى" ؟؟ هل هذا هو خطاب الحركة التمكينى الجديد ولُب برنامجها الانتخابى بعد أن احتكرت أخضر الموارد الدنيوية وأسْودها من فوم وزيت وبترول وذهب؟ ً
ذهب أ.ح.عمر منهجياً الى سَوْق مجموعة من الاقتطافات الأكاديمية التبريرية المجافية للواقع لتسويق مبتغاه وهو يقتطف من د. الترابي (الحركة الإسلامية في السودان) وسيد الخطيب (صنع التغيير) و"الاستراتيجية القومية الشاملة" ومراسيمها الشمولية الشاملة.
وهل سنشترى مثل نفاقه البائن كون "هدف تلك الاستراتيجية هو الرقي الاجتماعي ليكون السودان خير مجتمعات العالم النامي ديناً وخلقاً وثقافة ومعاشاً وبيئة وان يكون المجتمع مستقلاً عن السلطة في معظم حاجاته وسابقاً لها في مبادراته. فالمجتمع عبر الوسائل الطوعية هو الذي تراه الحركة الإسلامية على كرسي القيادة"؟
لا يعترينا مثقال ذرة من شك،بالدليل التفصيلى والظرفى والواقعى، بأن رؤية الحركة الإسلامية واستراتيجيتها "لمسألة التغيير الاجتماعي هي رؤية شمولية سلطوية" على الدوام وبلا استثناء. وأى تبرير بأن "سلوك بعض الأفراد والجماعات الـمنتسبة إليها والمتحدثة باسمها أحياناً والمستندة إلى مرجعية سلطتها كانت أحياناً تعطي إشارات مخالفة لهذا النهج " ليس هو الّا التواء وانتهازية وخداع أعضاء الحركة والراى العام مخبوء بعناية تحت سجّادة خطاب فقه الضرورة. لذلك نسمع هذا العتاب الخجول مقابل انتقاد الذات الصريح من قيادات الحركة داخل السلطة وخارجها رغم ان المسألة تتعلّق بسَحْل وإعدام وإبادة وفصل وتشريد ملايين البشر، بل شعوب وقبائل، أعاجم ومسلمين فى وسط السودان النيلى وواق واقه. ونبحث عن الأسباب فى جوهر الاستراتيجية الشمولية الفاشية للحركة وليس فى "تنامي نمط وصائي في أوساط" بعض المتنفّذين أو "بسبب وهن أدوات الفعل المدني" كما يقول. وتلك السلطوية والقهر والتخويف والفساد جزء من حزمة أتت أُكلها ثراء ًحراماً وتطاولاً فى البنيان.
واذا كان أمر التغيير الاجتماعى الحقيقى "هو التغيير الذي يبادر به المجتمع ويرعاه ويتطور من خلاله . فهو ليس خطوة واحدة يمكن ان تتحقق بدفعة سلطانية ، وإنما هي سيرورة اجتماعية" واذا كان نهج الحركة "هو منهج حفز المجتمع من خلال تنمية قدراته لتغيير ما بنفسه" ؛ اذا كان ذلك كذلك يا استاذ ففيم العجلة والانقلاب على سلطة ديموقراطية فى رابعة النهار والتمسك بالقهر ونقض الاتفاقيات والعهود حتى لحظتنا هذه؟ لماذا لا تضرب الحركة الإسلامية فى الأرض توجيهاً وتعبئة وتوعية وتربية ولها فى صبر أيوب وكدّ "الأنبياء والصالحين" أُسوة حسنة؟؟؟
كيف تريدنا أن نقرأ "جهود الإنقاذ على سبيل الامتثال للتعاليم الإسلامية والاحتكام للشريعة الإسلامية" والفساد والنصب وقتل المسلمين على قفا من يشيل؟؟
اذا كنت تعنى ما تقول بأن:
"التنمية الشاملة هي المنهاج وقاطرة التنمية الشاملة هى التعليم والدعوة والتوعية والتعبئة فالاستراتيجية هي البداية الشاملة للتأصيل وللنهضة الفكرية والتنمية الثقافية وتحريك المجتمع وتعبئة قواه في إطار ثوري حر يفجر الطاقات ويستنهض الهمم وهي خريطة هادية للتحول الحضاري نحو المجتمع الذي نصبو إليه"
واذا كانت الحركة تضع التعبئة فى أولوياتها لماذا اذن التعجيل واللعب بمقدرات الشعوب السودانية بالعنف والقمع و"الإطار الثورى الحر!!!" وما أدراك ماهو!
المتأمّل للغة أستاذ أ.ح.عمر عموما ولهذا الاقتطاف الأخير المكثّف تخصيصاً، لا يملك الّا أن يردّد مع نورمان فيركلوف بأن اللغة أصبحت تلعب دوراً أكثر أهمية فى التغييرات الاقتصادية-الاجتماعية المعاصرة مما كانت تلعبه فى الماضى. لغة من عيار "التأصيل والنهضة الفكرية والتنمية الثقافية وتحريك المجتمع وتعبئة قواه في إطار ثوري حر" لا نملك معها الّا أن نهنئه على خبرة التحصّن من الخجل واستراتيجية حصان طروادة الخطابية ونقول له بسحروك على هذه الدروشة الأكاديمية الفاردة لجناح البذخ والوفرة المربكة وقوة العين.
رابعاً: فضول أكاديمى تبريرى
وعن ثقافة محاكم التفتيش والقطع الناشف من خلاف وكارثة تطبيق الشريعة يقول:
"كان لإصدار القوانين الجزائية بصورة فجائية درامية ومحاولة تطبيق أحكامها من خلال إعلان حالة الطواريء . ومن خلال المحاكم الخاصة الـمبتسرة الإجراءات وكيفية إعلان الأحكام وتطبيقها ، أثره في إعطاء صورة شائهة تذكر بنمط محاكم التفتيش"
ولكنه يحيله الى فترة حكم النميرى أو بسبب المتنفذين فى فترة الإنقاذ، لكن الكل يعلم أن التطبيق الحدودى لم ينفك يمارس انتقائياً الى يومنا هذا وان خفَتَ صوت التشريع الجزائى نوعا ما لأن سيقان الأشباح الجائعة ما عادت تصل مطامير الخزائن ولأن بطون الجلادين قد أُتخمت وجيوبهم انتفخت وألهاهم التكاثر. وما انفكّت حرية التعبير والتنظيم والصحف غائبة ومازالت الميزانية الحكومية فى 2008 تُقرأ بفط سطر وقراءة آخر وصفر مع الرعية وواحد مع الراعى. الملاحظ أن جميع قيادة التنظيم أصبحت تتبرأ من بعض الجرائم التي اقتُرفت وهذا نقد ذاتى ضعيف وتنقصه المصداقية بما فى ذلك الترابى والأفندى لأنهما مازالا يخفيان الكثير وبالأمس قال الأفندى مهدّداً صديقه نافع على نافع أنه سينشر الكثير من أسرار التنظيم وتاريخ النشر ليس محكوماً طبعاً بأجندة الشعب السودانى والا فلماذا الانتظار؟ وعندنا أن شهاب الدين أظرط من أخيه.
أمّا بفقر خيال الإسلام السياسى فى القانون والاقتصاد فحدّث حيث تمخّض جبل التشريع الاسلامى فولد ستة حدود ثم التفتوا الى خيبات المحصّلة الراسمالية فوجدوا اكثر من 180 جريمة فى القانون الجنائى ثم تضاءل الخيال الاقتصادى الإسلامى الى نسبة الزكاة المئوية التى تؤول الى الصفر مقارنة بضرائب الدخل التصاعدية وغيرها.
اذا كانت العبرة باقتطاف المراسيم الدستورية وقراءتها الأكاديمية فان الخطاب يصبح فضولاً أكاديميا وتبريراً محضاً فى أحسن حالاته. تأمّل معى بؤس هذا الاقتطاف حين يقول أ.ح. عمر:
"نص المرسوم الدستورى على أن الوطن توحده روح الولاء والسلطة والثروة وقيمه المشتركة وتبسط فيه وتقسم بعدالة السلطات والثروات بالولايات والمحليات والشرائح الوطنية بلا مظالم أو عصبيات !!"
نفس خطاب المرسوم الدستورى هذا هوعضم "الضهر" والمسوّغ الفكرى والأخلاقى لخطابات المعارضات المسلحة السابقة والحالية واللاحقة لا قدّر الله. ولعلّه كان فى الفقرة الأولى من بيان خليل ابراهيم فى 10 مايو 2008 وفى ديباجة دستورها ومانفستو معارضيها على سبيل منطق الدائرة الشريرة.
المقتطف أعلاه لاينسجم مع التوجه الأساسى لسياسات الحركة الإسلامية خاصة الدعوة لوحدة السودان والتقسيم العادل للسلطة والثروة والتى فُرضت مؤخرا بقوة السلاح وتوازنات سطوة النيولبرالية وأياديها الإمبريالية الأخطبوطية الباطشة ذلك لأن حكومة البشير الغالب وزنها مازالت تماطل فى وعدها بالاتفاقات المبرمة مع المعارضة والشريك. الغموض الآيدولوجى من شاكلة "الوطن توحده روح الولاء" لايجب أن تكتبه الدساتير الا من باب الفهلوة المقصودة. ماهو الولاء الذى يوحّد السودان المتعدّد المتنوّع؟ هل هو "الولاء العربى الإسلامى" الذى يوحّد السودان؟ اللهم الا أن يكون سودان عبدالرحيم حمدى محور دنقلا+سنار+كردفان الذى توحده "قيمه المشتركة" و"انسجامه" كما عبر بوضوح عبدالرحيم حمدى حين تسرّبت الأجندة من داخل الغرف المغلقة.
الاستشهاد بنصوص المراسيم الدستورية ضحك على دقن الواقع الصخرى لأن البيان بالعمل. ذر الرماد فى العيون هوأن ينص المرسوم على نظام للحكم :
"تؤسس سياساته الحرية والشورى دون إباحة للطائفية السياسية أو العصبية الحزبية ودون تركيز لشهوة السلطة أو روح الفساد أو الصراع"
والمعنى واضح كون "الحرية" هى حرية حزب الحركة الإسلامية و"الشورى" بين فقهائه وأئمته وإقصاء جماهير الحزبيين الرئيسيين تحت ذريعة "الطائفية السياسية" واليسار بحجّة "العصبية الحزبية". أما "روح الفساد" (بل جثمانه أو جِتّته كما يقول كلام السودان النيلى) قد تنتّنت وعمّت جيفتها ولن تطهّرها الا كيماويات "الصراع" الضارى "الثورى الحر". ولم يبق من النص سوى سفسطة وهيام رومانسى يلهينا عن شهوة السلطة والفساد والصراع الذى يستعر بين الذئاب داخل جخانين الحركة الإسلامية وسلطتها الباطشة الظلومة.
وعند اقتباس واجبات وحقوق المواطنة فى مرسوم الدستور يسوّق لنا أ.ح. عمر كلام الطير فى الباقير بنص يقول:
"قد أوجب على المواطنين المتدينين الصدق والتعبير القويم . وكفل لهم حقهم القانوني العام بلا إكراه في العقيدة ولا حجر في العبارة ولا ظلم ولا تمييز في الحق العام بمجرد اعتبار الملة الشخصية . كما أوجب للمواطن العلم والعمل موالاة ً للآخرين . وكفل له المساواة بلا تفرقة ولا تمييز بمجرد الجنس أو الوضع الاجتماعي أو المالي إلا ما تقتضيه عدالة القانون"
دستور يكرّس للتفرقة الدينية بخشم الباب فوق أنه مجرد لغو لا علاقة له بمنطق الفكر الإنسانى القانونى والأخلاقى المعاصر. ثم يكذبه الواقع الدموى وجهاد المواطنين وبعث الإثنية بسياسات تجنيد القبائل ضد بعضها وتمزيق الوطن والتفريط فى سيادته.
هذا مرسوم تفرقة غريب يقسّم المواطنين، حسب النص، أمام الحقوق والواجبات الى نوعين: "مواطنين متدينين" ونقول مسلمين وعاربة ومواطنين معرفين بالألف واللام هم دون أولئك وكفلت لهم حقوقاً دونها الحقوق الدينية التى لم يذكرها المرسوم لأن الخلفية الفكرية للمشرّع ونهجه قد قسّمت العباد الى مسلمين وأهل ذمة لادينيين يدفعون الزكاة عن يدٍ وهم صاغرون. وحتى تلك الحقوق (ناقص حرية العقيدة) جاءت مشروطة بـ"ماتقتضيه عدالة القانون" هذا بالطبع وطنٌ لا "توحده روح الولاء" كما كذّب علينا الدستور فى المقتطف الذى سبقه، دستور يكرّس لـ"مظالم" و"عصبيات" ودم مهراق يخبئه الأفق التشريعى الطالع من فرضية الذهنية العربسلامية العصبية العصابية المغلقة.
وهل يتحدّث أ.ح. عمر عن سودان نعرفه حين يقول أن برنامج الحركة "أوجب للمواطن العلم والعمل موالاةًً للآخرين"؟؟ صرف النظرعن الركاكة اللغوية فان العلم (يقصد التعليم؟) قد خصخص وتدهور فأرسل مثقفوالسلطة أبناءهم وبناتهم الى اوروبا وامريكا وماليزيا لطلب العلم؛ أمّا عن العمل فقد تعدّى معدّل العطالة 18%.
بحر الحركة الإسلامية يغمر تَمَدْ حركة الإسلام السياسى ويجُبّها؟
استلفت هذا العنوان من استعارة الإمام محمد أحمد المهدى حين قال بأن بحر الأنصارية غطى على تَمَدْ (آبار) الحركات الصوفية التى سبقته ومن أراد أن يستقى من علوم الدين حسب الإمام لا بُدّ أنه يشرب من فيض بحر الأنصارية. وخطاب الإمام هو الجرّة التى خرج منها الجن الكلكى كون صخب "بحر" استعارته البلاغية المهيمنة يُقصى مجاميع "التَمَدْ" التى نسى البحر فى ضجيجه وعجيجه جدل اندغامها فيه. هكذا ينساب خطاب الاستبدال والإحلال ويكثر أ.ح. عمر ترداد عبارة "الحركة الإسلامية" بوعى حتى تجبّ وتلتهم محاسن موتاها. وهى عين استراتيجية مابعد قرار المحكمة الجنائية الدولية والتى بمقتضى نعمة خطابها السائد أصبحت "سيادة" البشير وحكومته الانقلابية هى طبق الأصل مع "سيادة" السودان. تلك المكيدة الطروادية التى انطلت على قوى المعارضة.
اسمع أستاذ أ. ح. عمر يقول "ولم يصدر القانون (القانون الجنائي 1991م) في شكل أحكام جزائية وعقوبات بل هو أشبه بمرجع في رؤية الحركة الإسلامية للتعاطي مع مسألة الجنايات" . كم يا ترى نسبة عضوية هذه الحركة من مجموع التعداد السكانى السودانى (أقل من 1%؟) وقد علمت مشارق الأرض ومغاربها بأن القطع من خلاف كان طيلة التسعينات من نصيب الفقراء والمهمّشين ولم نسمع به يطبّق على فساد الحكّام جباة الضرائب وكانزى الذهب والبترول.
التعامل مع القانون فى ذهنية كوادر الحركة الإسلامية هو مطلق تطبيق الحدود وترسُّخ فهم عصابى لإنفاذها يتحكّر فى وعى كوادرها ولاوعيهم فى آن معاً ؛ ألم يقل أستاذ أ. ح. عمر: "ليس لأن الحركة الإسلامية أقل حماسة لانفاذ الحدود (التي تنزل بانفاذها البركة) وإنما لحرص الحركة الإسلامية على ان تظل الحدود حدوداً" (الأهلّة ليست من عندى بل من أ.ح.عمر). بأى منهج وفلسفة وفكر تتنزّل بإنفاذ الحدود البركة؟؟ ولماذا لم تتنزّل بتعطيلها البركة؟ أليس من الحكمة القول أن البركة الحقيقية هى فى بسط الخير والرزق والعدالة الاجتماعية حتى لا يضطر المسلمون الى سرقة القوت؟ هذا فكر أقل ما يوصف بالشذوذ ولا أرغب فى تسويغه بالأحاديث الضعيفة؟ وسيظل فكرالإسلام السياسى فى محنة أخلاقية وإنسانية اذا لم يتجاوز الحدود كمفهوم اشكالى كونه عقوبة وحشية مذلّة و مفارقة لاى حساسية انسانية كما فى الجلد والقطع والرجم.
يقول أ.ح عمر "ولا يزال هذا المنهج في مقاربة قضية الحدود يحتاج إلى دراسة بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على القانون الجديد وسياسة تطبيقه"
من الذى أعلاكم فوق رؤوسنا واصطفاكم دون سائر المسلمين بتجريب سيوف مناهج الحدود وتطبيقها فى رقاب العباد المستضعفين تسع عشرة عاماً حسوماً؟
ويعتذر أستاذ أ.ح.عمر بحياء:
"مراجعة القوانين وتعديلها جملة واحدة في وقت وجيز أمر متعذر" ثم "ستظل كثير من القوانين السارية الآن في حاجة إلى الإصلاح إلى أن يحين وقت إصلاحها وتقوم ضرورة تعديلها"
إذا أقر أمين ضمنياً أن هنالك حوجة للتعديل وإصلاح القوانين فما هو الداعي للمماطلة والتسويف؟ هل نحن في حوجة الى 19عاما أخرى؟ تلك كانت فترة كافية لنهب نفائس موارد السودان العامة من ذهب وعائدات بترول وجبايات إضافة الى نفوق أرواح الآباء والامهات وفلذات الاكباد.
النقد بما يفيد المدح
يقوم النقد الذاتى للفرد والجماعة على الوعى الذاتى بالمسألة ومن ثم نقد الذات بمسئولية وشفافية وأخلاق.
لا يومئ أ.ح عمر الى موقف نقدى محسوب على الحركة بل يتحدّث عن "الموقف النقدي لكسب الحركة الإسلامية في ظل الإنقاذ" وهذا نكران للنقد والشفافية والتواء وغِش بيّن إذ كيف يجوز الحديث عن "موقف نقدى للكسب"؟ بينما الأحرى هوالحديث عن موقف نقدي للخسران والخطيئة والتراجع. الورقة تُصرّ على تفادي توضيح القصور والتهرب من المسئولية وبالتالي عدم الاستعداد لنقد التجربة الاسلامية وهذا يعني ضمنياً الرغبة في الاستمرار في فرضها رغم أنف الضحايا. تزول دهشتنا هنا قليلاً حين نعرف ان الرموز فى الخطاب الدعائى تتم صياغتها على شكل صور خطابية ثم نستنير بـ ميشيل فوكو حين يحيل الخطاب الى فكرة استنبطت من واقع معرفى بقوله "إن كل خطاب ظاهر ينطلق سرا وخفية من شيء ما تم قوله ، والخطاب ليس مجرد جملة تم التلفظ بها أو مجرد نص سبقت كتابته بل هو شيء لم يقل أبدا (---) وكتابته ليست سوى باطن نفسها [19]" فقد تشير (الكلمة) إلى شيء غير ذاتها عن طريق الإشارة المباشرة إلى الشيء الخارجي عنها . أو عن طريق الفكرة أو الصورة الذهنية للشيء الخارجي أو المشار إليه [20]"
وهكذا يبدأ النقد خفياً خجولاً كما فى غِش الحشف وسوء الكيل المشهور حين يقول أستاذ أ.ح.عمر:
"إن مقاربة الحركة الإسلامية للمشروع الإسلامي لا تعدو ان تكون مسعى جماعة مجتهدة تخطىء وتصيب، تخفق وتقصر تتقدم وتتراجع ولكن النجاح الأكبر هو ان تظل المسيرة ماضية تبني على انجازاتها وتصحح أخطاءها وتعظم من كسوبها وترجو ان يتجاوز لها الله ومن بعد ذلك الخلق عن اخطائها وأي الناس يبرأ من الخطأ وأي الناس مطهر عن الخطيئة إلا المخلصين الأخيار من النبيين والصديقين"
واذا لم تكونوا أنبياء ولا صديقين (عكس أيام انتخابات الجامعات فى الستينات والسبعينات والثمانينات حين كنتم تشترون بآيات الله ثمناً قليلاً : هو أن يصوّت لكم الطلاب والطالبات لأنكم مخلصين اخيار!!) لماذا لا تُحاسبون على الأخطاء والتقصير والتراجع المادى والرمزى؟ وترجو أن يتجاوز لها الله و"من بعده الخلق" عن هذه الأخطاء؟؟؟ وهل ستنعم بجزيل عطائك لهؤلاء الخلق (تقرأ الجماهير) أن يفتوا فى أخطائك التى من ضمنها سحل وقتل وإبادة جُلّهم؟ وكيف ينظر الخلق فى أخطائكم وأنتم تصادرون حتى القصص والقصائد فى المجلات الثقافية.
وما طبيعة هذا الرجاء (بما يشبه نقد الذات) الخجول ياترى ؛ رجاء أن يتجاوز الخلق عن أخطائكم وسيئات أعمالكم؟ وماهى الآلية التى يتم عبرها التفاوض حول غفران أخطائكم وسيئاتكم ؟ مثلاً: عبرلجان الإنصاف والحقيقة والمصالحة والمثول أمام المحاكم (المحلية والدولية) أم عبر خطابة وخطاب هذه الدراما الكلامية؟
ويستمر النقد المادح:
"ولا يعيب المرء أن يقر بشرور نفسه وسيئات أعماله ما دام مقراً بالامتثال للتعاليم والأحكام الإسلامية"
إلى متى الانتظارالكاذب وخطابة "اذا رايتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خُشُبٌ مسنّدة"
قولوا لنا بالله ماذا جنت أياديكم وماهى شرور أنفسكم وسيئاتها؟ وإلّا سيقول الضحايا وابناؤهم/ن وبناتهم/ن؟ ألا تسمعون صراخهم/ن أم أن بآذانكم وقر؟
ويمضى بيع النقد المجانى:
"ولا يعيب الجماعة الإسلامية والدولة الإسلامية أن تقر بسيئات أعمالها أو عجزها وتقصيرها ما دامت لا تتخذ غير الإسلام مرجعاً ومصدرا"ً
إذن: كيف أصبح أنصاف وأشباه الأنبياء خطّائين ويصدرون من مرجعية الإسلام؟
هل وصفات البنك الدولى والصندوق ومنظمة التجارة العالمية و"إجماع واشنطون" هى مراجع ومصادر اسلامية؟
وما دخل مرجعية الإسلام بشئون الدنيا؟ من القائل: أذهبوا أنتم أدرى بشئون دنياكم؟
من سيحدد "عجزكم وتقصيركم وسيئات أعمالكم"؟ ماهى الآلية التى سيتم بها تحديد العجز والتقصير والجريمة؟ هل هو قضاء مستقل ولجان قصاص وإنصاف وحقيقة وجبر ضرر المستضعفين وهل تتكرمون بوضع كتابكم التفصيلى وكشف حسابكم بأنفسكم؟ وهل "مينيو" السيئات يحتوى على جرائم القتل والسحل والتشريد والإبادة؟
هل ستكون استراتيجية مداراة المراجعات العامة هى أحد نماذج آليات طرح سيئاتكم؟ وما نوع الموبقات التى سترد فى اعترافات العجز والتقصير والسيئات؟
وهل سيتحوّل عبدالوهاب الأفندى والطيب زين العابدين وحسن الترابى شهود ملك فى سيناريو الإقرار بالسيئات والخطايا والتقصير توبة من الله نصوحا وتكفيرا وغسلاً للذنوب؟ أم نحن مبشّرون بمنطق دائرى شرير؟
ماذا أنتم فاعلون بالفساد الظاهر الموثّق؟
يبشّر أ.ح.عمر فى الورقة ب "الدعوة الوسطية التي تتخذ الإصلاح سبيلاً. وكلمة الإصلاح نفسها تعني اعترافاً بأنه رغم الفساد الظاهر فإن الخير في الناس كامن إلى يوم القيامة"
ماهو الفساد الظاهر وكم حجمه وأين ظهر وما هو مصير المفسدين؟ وهل ظهر بين دوائر ضيقة أم وسط مئات الوزراء المركزيين والولائيين وكبار رؤساء المصالح والمدراء الذين تحوّلوا بنعمته تعالى الى راسماليين وملاك عقارات ومشاريع زراعية؟ وهل ظهر العدل على مدرجات المحاكم أم فى ساحات الفيحاء؟
هل دعوة الوسطية هى دعوة وسط حسابى بين الراسمالية من جهة والقرآن والسنة؟
وماذا ترانا فاعلين بعبارة " الخير في الناس كامن إلى يوم القيامة" ياحضرة الدكتور؟
وتستمر اللولوة الفكرية:
يزعم أ.ح.عمر بأن أعضاء الحركة الإسلامية قد أدركوا بالتجربة "أهمية العمل العام ، في حفز الأفراد ليحاسبوا أنفسهم وليجتهدوا في تنقية نفوسهم بالإيمان والعمل النافع الهادي إلى صراط مستقيم . قد انبنت استراتيجية الحركة للإصلاح على المنهج المعتمد في علوم الاجتماع جميعاً لتحقيق التحول الاجتماعي"
بأى آلية يا ترى سيتم تحفيز "الأفراد ليحاسبوا أنفسهم وليجتهدوا في تنقية نفوسهم بالإيمان"
وماهى التمارين الإيمانية السحرية التى تمكّن الحركيين الإسلاميين فى "تنقية نفوسهم" الأمارة بالقتل والفساد والإفساد؟ هل هى تمارين خارج مفهوم (ألم نشرح لك صدرك) والتى تخص الرسول (ص) وطبقاً لها يكون العُسر خليفةً لليُسر الذى لم يره الشعب السودانى!!؟
ماهى طبيعة "علوم الاجتماع" البرجوازية فى العمل الأهلى العام الهادية الى "صراط مستقيم" والتى استقت منها الحركة استراتيجياتها لتحقيق مشروع التحول الحضارى الذى فسد؟
فى المنهج يبيعنا أ.ح.عمر عموميات حول "منهج إعادة التعليم والتوعية" مورست على مدى تسعة عشر عاماً تمّ فيهه غسيل مخ يسميه إعادة التعليم "من خلال نقد القيم السائدة والتذكير بالقيم الإسلامية والدعوة للاستقامة عليها"؟ غسيل مخ موضعوا الشعب عبره داخل خطاب "قيم اسلامية" و"الاستقامة عليها" حتى يفعلوا ويفكروا ويتكلموا ويروا أنفسهم عبر هذا الخطاب الذى سمّوه جديداً وكأن مسلمى الوسط النيلى وأهل دارفورلم يكونوا مسلمين من قبل!! وأعنفوا على الشعب المسلم المغلوب على أمره بالأرض والبحر والأنتونوف تحت اسم "القيم والاستقامة عليها" التى أعفوا أنفسهم منها فكنزوا الذهب الأصفر والأسود.
أمّا بقية الرعايا،وليس المواطنين/ات، خارج مثلث حمدى بدرالدين فقد تم إسقاط المُتخيّل على واقع ممارساتهم وشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى كانت أو كادت الأنشطة والعلاقات الاجتماعية المتخيّلة أن تكون أنشطة وعلاقات اجتماعية واقعية، حقيقية حيّة تمشى بينهم/ن. لم لا فالتعريب والأسلمة كانت تشتغل فى تلك الشعوب منذ الاستقلال.
ماهى أصول هذا المنهج ودقائقه؟ وهل تشمل القيم الإسلامية التوعية مع أو ضد الاحتباس الحرارى والانفجار العظيم وعلوم الأحياء؟ ماذا نفعل مع السلوك الإسلامى السائد الذى ينتظر الاكتشافات العلمية بنصوص قرآنية جاهزة تؤكد معرفتنا الأزلية بها!!
ويمضى أمين فى نقد مادح تبريرى:
"رغم وضوح رؤية الحركة الإسلامية ممثلة في الإنقاذ لقضية التغيير الاجتماعي وأن سلوكها العام قد وسمته هذه الرؤية الواقعية الوسطية إلا أن سلوك بعض الأفراد والجماعات الـمنتسبة إليها والمتحدثة باسمها أحياناً والمستندة إلى مرجعية سلطتها كانت أحياناً تعطي إشارات مخالفة لهذا النهج . وهذه التفلتات عن النهج العام هي التي يستدل بها خصوم الحركة الإسلامية على ادعاءاتهم . إذ يلجأون إلى تجاهل النسق العام مع التركيز على التجاوزات والتناقضات التي لا تخلو منها تجربة أو ممارسة عامة . ومثال ذلك محاولة جهات رسمية وشبه رسمية فرض الحجاب بالقانون . وكذلك تجربة شرطة النظام العام بالخرطوم لفرض ما يسمى بالمظهر العام اللائق"
يقول أمين ببساطة شديدة أن هنالك "تفلتات" و"تجاوزات وتناقضات" عن "النهج العام" و "النسق العام" مثل "فرض الحجاب بالقانون و المظهر العام اللائق" ؛ وأن مرتكب هذه التفلتات هم "بعض الأفراد والجماعات الـمنتسبة إلى" الإنقاذ و "المتحدثة باسمها أحياناً والمستندة إلى مرجعية سلطتها" وليس عموم الحركة. ثم هذه الجماعات المحسوبة علينا "كانت أحياناً تعطي إشارات مخالفة لهذا النهج" الوسطى القويم. كان حرىّ به أن يحدّد ويسمّى هذه الجماعات ومتى طردت من الإنقاذ وحُوكمت تحت مجتمع القيم والاستقامة والعدالة الإسلامية؟
رؤية الحركة الإسلامية للتغيير الاجتماعي والسلوك العام رؤية تجاوزت فرض الحجاب بالقانون الى فصل الأبناء عن إخواتهم وبنات أعمامهم وخالاتهم فى الشوارع وإذلالهم/ن حتى يبرزوا بطاقات الهوية. والسلوك العام تضمّن قتل سجناء الحرب وإعدامات جماعية فى شهر رمضان. هذا هو السلوك السائد حتى الآن. لماذا تولون من أفسد ولم يصلح فى "جهات رسمية وشبه رسمية" و"شرطة نظام" حتى تحدث "تفلتات" و"تجاوزات وتناقضات" وتطلبون العفو والتملّص من الجرائم ثم مواصلة الحكم واعادة الشمولية والاستبداد من جديد؟ عجبى منكم وأنتم تحتفظون بالزلابية وتأكلونها أكلاً لمّا فى آن معاً.
ليت أ.ح.عمر قصد "بالتفلتات عن النهج العام" محصّلات كالفقر وملحقاته وحالة الطوارئ والجبايات والرسوم والدمغات التي أصبحت تُفرض حتى على النّفَس الداخل ومارق أو الخيبات الإنسانية القياموية فى دارفور والمحاولة التعيسة لمسح جُل قاطنيها عن الخريطة السودانية. لو فعل ذلك سيجبرنا على احترام مسعاه فى النقد.
كان مشروع الحركة الإسلامية الحاكمة الحضارى وما انفكّ "مشروعاً شمولياً سلطوياً" و"أن رؤية الحركة الإسلامية" لمسألة التغيير الاجتماعي ماانفكّت "رؤية شمولية سلطوية" والآن يسعى منظرو الحركة الى إعادة انتاج الشمولية بأشكال جديدة عبر مراوغة مخاتلة كاذبة تتستّر بثوب النقد الذاتى.
فى اكتوبر 2008 أدخل فى قلوبنا الرعب خبر تعثّر 237 من كبار المستثمرين ورجال المال والأعمال بالتواطؤ مع مديرى البنوك الإسلامية وقد بدّد هؤلاء مايعادل 15 مليار دولار أمريكى من أموال المودعين والمستثمرين فى عمليات إقراض وتمويلات غير منضبطة بصيغ اسلامية ومن بنوك اسلامية. هذا غيض من فيض فاسد أكّدته منظمة الشفافية الدولية فى تقريرها السنوى لعام 2008 كون "كل من الصومال والعراق وبورما وهايتى وأفغانستان والسودان من أكثر الدول فساداً [21]" هل نحن بين يدىْ نهج النهضة الإسلامية الحضارية الشاملة وفلسفة التخطيط الاجتماعى أم "قوة سيئ استخدامها" فصارت سبباً للفساد والإفساد؟
ولأن يدي أستاذ أ. ح. عمر صُفرٌ (حتى لا نقول مضرّجتين بالأحمر) من المصداقية والأمانة جاء مفهوم نقده الذاتى للحركة الإسلامية ،بل وكامل الجهاز المفاهيمى لحركته، ملتوياً وخادعاً.
[1] ع.ع.ابراهيم "الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق" ضمن أوراق سمنار "قضايا وإشكالات الدولة الإسلامية المعاصرة" الذى نظمته د.هويدا العتبانى بتكليف من مؤسسة فردريش ايبرت بالخرطوم، أغسطس 2006. أعاد نشرها ع.ع.ابراهيم فى سودانايل.
[2] عبدالوهاب الأفندى"غازى صلاح الدين وخرافة المؤتمر الوطنى والحركة الإسلامية" القدس العربى 16 سبتمبر2008عن سودانايل.
[3] مقتطف من موضوع د. ع.ع.ابراهيم أعلاه عن الحركة الإسلامية عن مقال د.التجانى عبدالقادر فى الصحافة 27سبتمبر2006 وبهذه المناسبة فان الباحث فى كتابات د. عبدالله على ابراهيم طالما يضنيه الفرز بين آرائه الشخصية ورأى من يقتطف منه كونه عدو الأقواس ويقتطف ما يؤيد منطقه دون وضع مقتطفه بين الأهلة.
[4] عبدو مالكوم سيمنون "فى أىّ صورة ماشاء ركّب: الإسلام السياسى ومآل البندر فى السودان" جامعة شيكاغو للنشر 1994.ضمن مقال د. د.ع.ع.ابراهيم السابق.
[5] السابق: ع.ع.ابراهيم "الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق"
[6] بدا لى د. ع.ع.ابراهيم فى هذا المقال كمستشار إدارة أزمة للحركة الإسلامية ألمّ به إحباط كون الحركة لم "تخدم استراتيجيتها (استراتيجية أوبة الدولة الى الدين) هذه بما تستحقه من سهر على التحالفات أوتشييدها على خلق سياسي قويم". ويقدّم ع.ع.ابراهيم نصيحة للحركة الإسلامية لتنصرف عن قيود المشيخة الدينية وسلطة الفقيه وأن تتمسّك بذلك حتى يفتح لها هذا الصلاح "باباً على الآخرتستقوى به فى تحالفات مدروسة ذات نفس طويل لأوبة الدين للدولة" ثم يود فى مجال آخر أن "لو اعترفت الحركة الإسلامية بإرث الغرب فيها لكانت بنت دولتها ومؤسسات البر بالمساكين على غير نموذج الديوان الضرائبى" وفى باب مثيل يسدى نصيحة أخرى:"سيبقى على الحركة متى أرادت أن تكون فينا رحمة وبركة أن تستنقذ نفسها من آثار عشوائيتها المتراكمة وأن تعيد اختراع نفسها من أفضل صلصالها. وهذا من عزم الأمور" وليت شعرى من أىّ منطلق فكرى وانسانى وعقلانى يتبرّع د. ع.ع.ابراهيم بهذه النصائح والإستشارات
[7] السابق: ع.ع.ابراهيم "الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق"
[8] السابق: ع.ع.ابراهيم "الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق"
[9] د. عبد الوهاب الأفندي ما بعد "الثورة والإصلاح السياسي" :ما خفي كان أعظم ،القدس العربي 9 سبتمبر 2008
[10] محاضرة فيليب بروتون والتى ترجمها د.عبدالله بولا فى بوست فى الديمقراطية والثقافة فى موقع سودان فوراول
[11] حبيب مال الله ابراهيم "مفهوم الخطاب وسماته"
http://www.freemediawatch.org/majalah/document/docmajla4-200605/arabic/P%2048%20-53KHITAB.htm
[12] المفكر سمير أمين للأهالى 9يناير 2008عدد1359.
[13] Ebrahim Moosa “Allegory of the rule (hukum): Law as simulacrum in Islam? “History of Religion, 1998 pp.1-24 at page 12. ضمن عبدالله النعيم السابق ص 38
[14] عبدالله النعيم ، السابق ص46
[15] السابق: ع.ع.ابراهيم "الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق"
[16] السابق: ع.ع.ابراهيم "الحركة الإسلامية بين الانفتاح والانغلاق"
[17] الاستراتيجية القومية الشاملة - المجلد الأول- 1992م - ص 18
[18]من كتيبات ميزانية الشركة الاسلامية للتأمين ضمن مقال الأستاذ صديق عبدالهادى جريدة "اجراس الحرية " 27 اكتوبر2008
[19] ميشيل فوكو،حفريات المعرفة،ترجمة:سالم يفوت،الدار البيضاء،المركز الثقافى العربى، 1987، ص25.ضمن حبيب مال الله ابراهيم
[20] د. محمد عبد الحميد "البحث العلمي في الدراسات الإعلامية" القاهرة ؛ عالم الكتب،2000، ص300.