خفق الانتصار للحزب ضد تيار (سِيِبَك، فِكك منو) في الحياة السودانية

 المنصور جعفر  almanssour@hotmail.com

المنصور جعفرالأستاذ علي العوض رجل شفيف كريم أسعفني في أكثر من نازلة ، وركز  معي، ومع الزملاء ضد هجومات القمع والإرهاب والتهميش وحيثما دعا الأمر، ولا إطناب في ذلك، فهو ذا مواقف اجتماعية ورفاقية وتنظيمية نضيرة راقية بعضها مسجول في صفحات التاريخ بحروف نورانية مرصعة ببذله السخي وصموده الراسخ ضد مؤسسة الدولة الرأسمالية بكل أشكالها في السودان وأيضاً -وهذا مهم - نضاله ضد بعض الجوانب السالبة في مؤسسة الحزب الشيوعي السوداني، وقد جمع الزميل علي العوض في نضاله ضد السوالب في المؤسستين بين التأني حيناً وبين الاجتراح أحياناً.  

في كل هذه الإشراقات  تحول علي إلى نجم  يسترشد به بعض الزملاء في إسرائهم وفي معارجهم في نضالات الحزب الشيوعي. ولعل تلك المواقف لها اعتبارات أخر في  الحزب وفي رأي بعض الزملاء. ولكن في الحالين هو علي العوض النبيل. ولكن لأستاذي علي أن يثبت حقيقة تاريخية أنه إذا كان البعض يصنف مواقفه كونه متمرداً إلى الوسط أو اليمين من قضية تملك المجتمع لموارد حياته وعيشه  وتغيير علاقات الإنتاج وإلى اليمين في قضية طبيعة علاقات الحزب ، وأيضاً طبيعة علاقات الدولة السودانية ، فرأيي في مواقفي حول قضية تملك المجتمع لموارد حياته إنها تمرد على الثقافة السائدة باصطفاف إلى جهة اليسار في قضية هذا التملك ، وفي قضية طبيعة علاقات الحزب وطبيعة الدولة  والأشكال الطبقية والإقليمية لها والنوعية، فبهذا الشبه لا يصنف الزميل نفسه في صورة الملاك العائد تواً من النار وإني والآخرين من المعارضين لآرائه وشيجة "حق" مجرد أبالسة متسكعين حول تلك النار!

   قام الزميل بتقديم (انتقادات) لبعض كتابات "سودانيزاون لاين" محدداً إياها بالمتعلقة بالحزب الشيوعي دون غيرها ! ذاكراً إنه كان يتابعها من زمن ! ولا أدري لماذا لم  يتداخل معي أو ضدي في أيها ولو بالمراسلة ؟ مع العلم إن أكثر تداخلاتي في ذلك المنبر كانت إما ضد آراء شخص معين تتعلق بتركيزاته على تفكيك أسلوب نشاط الحزب والنقاط الرئيسة في برنامجه، وفي قواه، وفي طبيعة تنظيمه ولائحته، وفي طبيعة تفكيره وفلسفته، وفي إسمه؟ كل هذه النقاط المطروحة لم تلق من الزميل علي العوض رفضاً وذلك من حقه ولا أقول واجبه!! ولكن رفض أ. علي العوض لآرائي كان وفيراً وبليغاً حد أن ينتقل به "من سودانيز أونلاين.كوم" إلى صحيفة الميدان!؟

لعل ذلك النقل من مقام "سودانيزأونلاين.كوم" حيث بالإمكان تجديد الطرح بسرعة في الدقيقة والساعة واليوم إلى مقام صحيفة الميدان وهي من الوقورات صبحاً تم لسبب ما قد يكون تعويضاً  لخسران نقاش معي دار عن موضوع وجود الحزب الشيوعي السوداني سواء في عرض المعلومات أو في اتساق ترتيبها منطقأ أو في زخم التركيز والتنوع  أو لمحات قوة العرض  ودقة الإيجاز  والتصويب في السجال.

   صحيفة الميدان لسان حال الشيوعية في السودان علمتني وأدبتني وهذبتني نشرت لي في متنها وفي إنترنتها مشكورة مُقدرة بعض إسهاماتي واجتهاداتي المتنوعة داخل و خارج ما يسميه الزميل علي العوض بـ"النَصَ"!!  لعله يقصد علم تحرير الطبقة العاملة ؟ مع ان اشتغالاتنا الحزبية في هذا الشأن نظرية تطبيقية معاً!، ولكن الميدان هي ذات الصحيفة المزدحمة بالكُتاب التي لم تنشر لي بعضاً آخر من إسهاماتي واجتهاداتي لأسباب فنية وقد يكون بعضها سياسةً أو غير ذلك، المهم أن انتقاد الزميل علي العوض  لكتاباتي كان ضعيفاً  إذ  لم يتناول بصورة موضوعية في أي من منشوراتي أن كذا وكذا من رأيك الفلاني خطأ وأن الأفضل بدلاً منهما ومنه  كذا وكذا !

  ترك الأستاذ علي تناول الأسس الفلسفية والنواحي العملية والمقارنات والافتراضات وبعض التمحيصات والتلاخيص تاركاً في (انتقاده) لكتاباتي كل هذي العناصر متحولاً عنها إلى اقتضاب مخل، يراني بصورة تعميم مختزلة كواحد من مصنمي الماركسية المغالين المشتطين فيها، وأن السودان لم يزل في حاجة إلى تغيير رأسمالي بأسلوب الثورة الوطنية الديمقراطية (حريات عامة وتخطيط وتنظيم الاقتصاد والملكية) يتحقق بقيادة العمال والزراع والرعاة وأبنائهم في البرجوازية الصغيرة الأوفياء بذا النسل لمصالح أهلهم الطبقية الأصل!!؟؟ ناسياً علم الاقتصاد السياسي (البريطاني) الذي قدمته الدكتورة فاطمة بابكر محمود : أن البرجوازية في السودان لن تكون طليعة تنمية أو ثورة بحكم طبيعة تكوينها وتمويلها وارتباطها مستقبلاً ضد أسس وأسلوب ومقاصد الثورة الوطنية الديمقراطية! وإن  الثورة  الوطنية  الديمقراطية  بتقدير د. فاطمة بابكر هذا –ضمن قسم كبير من علماء الاقتصاد والسياسة والتغيير في العالم- هي أسلوب أشمل في جذريته ، من اختزال ثوريته لمجرد حالة انتظار لـ(إكمال) الرأسمالية مهماتها ...في السودان.

خلاصة المهمات الرأسمالية في كل مجتمع هي:

1-      تثبيت تقويم منافع الأشياء ومصالح الناس فيها بالنقود في القطاع الرئيس من الاقتصاد

2-      ضمان قيام النشاط الاجتماعي على  تحقيق مصالح مادية (إنتاج وإستهلاك منتجات)

3-      ربط التنظيم السياسي والحكم في الدولة  بـ(دعم) الإنتاج الحديث

4-       تشكيل التفكير والثقافة الاجتماعية وفق المصلحة (العامة)

  هذه المهام الأربعة تم تحقيقها في السودان على الأقل خلال المائة سنة الماضية وأكثر، ليس من الموضوعي ترقب تحقيق الرأسمالية لتنمية أخرى في السودان تنقله لمصاف المراكز الرأسمالية (المنهارة) بكل ثرائها!؟ فهذه المراكز الأوربية الأمريكية وما لف لفها لا يمكن تكرارها في التاريخ فقد ولى عصر الاستعمار القديم وها هو الاستعمار الحديث يتضعضع بكينونته الإمبريالية بعد حوالى 40 سنة من تبلوره.

التغيير الاشتراكي ضرورة عيش  وليس مجرد حلم أو تصور تحسينات في المجتمع:

 التغيير الثوري الوطني الديمقراطي في بنيته الاشتراكية العلمية  ليس بداية تحقيق حلم إنساني هو الشيوعية في خيرات الحياة بل هو بكل أصوله وأبعاده  الشيوعية  ضرورة حياة  حرة كريمة للناس في السودان. فهو ليس مادة تمحيص مستخرجة من أحلام  بل هو شمس  ضرورة للحياة الطبيعية وتحقيق احتياجاتها الأولية .    

  من الخطأ الشائع تناول برنامج الثورة الوطنية  الديمقراطية كمجرد برنامج تأسيس رأسمالي، فهو برنامج ثوري للتغيير الجذري لبنية العمل والإنتاج والحياة الاجتماعية والحكم والثقافة ، ومنطقه في ذلك بسيط جداً إنه من غير المنطقي تغيير حالة شيئ دون تغيير عناصره وعلاقاته.

هذا الشيء الواجب تغييره جذرية هنا هو كيان السودان القديم بكل ما فيه من خدمات شائهة وزراعة معاشية و صناعة بسيطة وأقاليم  مهمشة ومجاعات وأمراض في جهة وإتراف وإسراف في جهة أخرى ونزاعات وحروب .

 لقد فشلت سياسة التغيير الجزئية في السودان سواء من المدخل السياسي  الحزبي أو من المدخل الاقتصادي ثلاثة مرات وأكثر وليس المطلوب أبداً هو تكرار هذه العمليات الجزئية في الحياة الحزبية بالفصل المشؤوم  بين الديمقراطية والاشتراكية  أو العكس فالفصل بينهما مضر بوجود كل منهما بينما تحتاج العملية الحياتية إلى اشتراك الناس في الموارد وفي السلطات اشتراكية علمية فإن هذه الاشتراكية العلمية تتصل بتأسيس مجالس الحكم الشعبي المحلي التي يتمثل فيها الناس حسب كينونتهم المهنية أو السكانية (المحليات) (= السوفيتات) ففي هذه المجالس تتبلور وتزيد ارتقاءاً إمكانات الديمقراطية الاقتصادية الاجتماعية والديمقراطية السياسية.

مما هو سائد في السودان ولسنين طوال كلام الأستاذ علي العوض عن توازن اجتماعي مطلوب لإنجاز عملية  الثورة الوطنية الديمقراطية ( مع ما في ذلك الوزن من عملية البعد قليلاً عن الفهم الماركسي للطبقة العاملة  والاقتراب  قليلاً من البرجوازية الصغيرة بما فيها طبعاً الفئات الرأسمالية الناشئة والأولية!!).  ولكن ضد  هذا الرأي السائد فإن الطبقة العاملة  الصناعية ستحسم  الصراع  الطبقي والقومي والثقافي  في السودان لأنها القوة الأكثر ارتباطاً في طبيعة تكوينها بالانتقال من حالة الزراعة والرعي المحكومة رأسمالية إلى حال الصناعة، وذلك لأن التطور الطبيعي لعملية الإنتاج الحديث ينتج طليعية في وضع الصناعة في الحياة الاقتصادية وفي كينونة الطبقة العاملة القائمة عليها فيصبح دورها أحسم قطعاً من دور فئات الكادحين الأخرى في التغيير الثوري  فلا يمكن لهم إنجاز ثورة جذرية في المجتمع والدولة دون تغيير جذري في علاقات الإنتاج الصناعية، وهو تغيير ضروري تلعب فيه الطبقة العاملة الصناعية الدور الرئيس وهي الآن تنتج القسط الأعظم من الدخل القومي .   

قول الأستاذ علي العوض عن ضرورة إنجاز البنى الأساسية  والخروج من البدائية  والتخلف قبل التنظير عن الاشتراكية والماركسية  قول قديم جامد يحتاج إلى نظر جديد: إذ كيف يمكن تحقيق الخروج من البدائية و الفقر بذات العلاقات الرأسمالية التي أنتجتها وكرستها في مجتمعنا ؟؟

 في الفقرة السابقة طُرحت مسألة مهام المرحلة والعلاقات الرأسمالية في المجتمع وهي توشيجه وصياغته اقتصاداً ، واجتماعاً ، وحكماً وسياسة، وثقافة، بمقاليد سبر وتقويم المنافع بصورة ذاتية ومالية . وأن الرأسمالية خاصة في البلاد المهمشة (العالم الثالث) لا تستطيع ولو رغبت في ذلك إخراج تلك البلاد ومناطقها من دائرة التهميش والتخلف التي يفرضها التكوين العام الدولي للنظام الرأسمالي العالمي. بداية من تسعير العملة الوطنية إلى ضمان الأصول والمعاملات المالية الدولية وليس نهاية بـ(لعبة)  أسعار الخامات وأسعار المنتجات في تطفيف وتبخيس الصادرات وإغلاء الواردات، وما إلى ذلك.

الحال التاريخية والعيانية تجعل من الغريب تقدير أمل الكثيرين في أن تقوم الثورة الوطنية الديمقراطية بتخديم العناصر أو الأوضاع أو العلاقات الرأسمالية لإخراج السودان من البدائية والتخلف وهي نفس الحالات التي أفرزتها في السودان  هذه الكينونات الرأسمالية!

   لقد أدت عمليات الفصل بين المصالح الوطنية والمصالح الشعبية  زمن الاستقلال (تحرير لا تعمير) ثم عملية الفصل بين (المصلحتين) الوطنية والشعبية  ومصلحة الطبقة العاملة  وعموم الكادحين (التنمية  من فوق) إلى فشل في مشاريع الاستقلال والتقدم الاجتماعي وكذا الفصل بين الديمقراطيات السياسية والاقتصادية الاجتماعية  كسر مقومات الحكم الليبرالي ومقومات الحكم الشعبي المحلي ولا مركزية  الموارد والسلطات سواء في الحزب أو  في الدولة. من هذه التجزيئات فشلت الانتفاضات التي اتخذتها سبيلاً في 1964 وفي 1985 ..إلخ . من هنا ضرورة أن يكون تجديد الحزب الشيوعي السوداني موصولاً بتقويم موضوعي لهذه العمليات التجزيئية مما كان  بالإمكان إنجازه بدراسات منظومة. أما الحديث عن أباطرة وكهنة واجتهاد خارج النص ..إلخ  فكلام ساكت.

المحاور العامة  في مقال الأستاذ علي العوض [من الميدان]:

   وأباطرة الماركسية الواقعين في جبة المحافظة والرافضين لتجديد الحزب والأفكار قرأه الواقع السوداني بذهن منفتح ومتابعة برنامج الحزب بواقعية، فالواقع السوداني لا يزال يحمل سمات البدائية والتخلف ...........

ورغم كل الضجيج والصراعات الدامية حول السلطة والثروة لم يتم انجاز البنيات الأساسية المطلوبة لإحداث التطور وإخراج القوي المنتجة من حالة العوز والفقر، فمعظم أهل السودان رعاة وزراع والطبقة العاملة ضعيفة ومتخلفة وعاجزة والصراع في السودان يتبلور في عدة أشكال متداخلة مابين الطبقي والقومي ولاثني والديني وبالتالي هذا الصراع لا تحسمه الطبقة العاملة بل تحسمه القوي المتعددة والواقع عليها الظلم والاضطهاد والتي لها مصلحة في التغيير الاجتماعي وتحقيق السودان الجديد، وبقرأة الانتفاضات والثورات التي حدثت في أكتوبر ١٩٦٤ ومارس/ابريل ١٩٨٥  نجد دور الطبقة العاملة كان ضعيف جداً وان القوي التي لعبت الدور الحاسم في هذه الانتفاضات أي البرجوازية الصغيرة »  ، هي مجموعة الأفندية والضباط علماً بان البرجوازية الصغيرة في السودان منحدرة من أصول عمالية وفلاحيه ولهذا هي اقرب لمنافذ الثورة ورياح التغيير.برنامج الحزب الشيوعي واضح ومحدد وهو البرنامج الوطني الديمقراطي والمحزن أن هذا البرنامج لم يجد الاهتمام والتنظير ولا توجد وثائق عنه عدا مساهمة الشهيد عبد الخالق محجوب « حول البرنامج » ولهذا قطاع عريض من الشعب لا يعرف هذا البرنامج بل ومن الشيوعيين أنفسهم لانغماسهم في الدفاع عن المشروع الماركسي وإهمالهم لبرنامجهم كما يحدث ألان بواسطة المنصور و الرهبان  ............وهو في جوهره برنامج رأسمالي يهدف إلي انجاز البنيات الأساسية وتحقيق الفائض للدخول في عالم التنمية وتحقيق الضروريات الأولية للشعب. هذا البرنامج لا يوجد في أطروحات ماركس ولم يكن في حساباته لان ماركس تناول بالنقد مجتمعات رأسمالية كاملة الدسم ولهذا يصعب على البعض الاجتهاد خارج النص.

المحاور العامة في مقالاتي هي:

1-         ضرورة تغيير علاقات الإنتاج كضرورة لتقدم المجتمع وتنميته بصورة متوازنة متناسقة.

2-         تأميم  مفصلات الإنتاج والخدمات  كأس لتخطيط وتنظيم الاقتصاد وتحقيق تنمية  متوازنة.

3-          الحكم الشعبي كرابط بين كينونات الديمقراطية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عن طريق تمثيله للعاملين ولفئات السكان الأخرى واستقلالهم بإدارة شؤونهم ضمن الكيان العام للمجتمع والدولة  وارتقائه  كناظم لوحداتها من حال المحلية إلى حال الجمهورية الاتحادية.  

4-          التعاضد بين النضال الثقافي والنقابي والجماهيري والسياسي في المدن  والنضالات الأخرى في الريف.

5-           ما يتعلق بوجود الحزب الشيوعي السوداني، ومعالم فلسفته المادية والتاريخية في طريقة تفكيره (آيديولوجيته)،  وتنظيم أهدافه وطبيعة ارتكازه الاجتماعي، إلى الطبقة العاملة وعموم الكادحين ، وطبيعة تنظيمه ولائحته، وعلاقاته مع القوى النقابية  والديمقراطية والجماهيرية ومع القوى النظامية والعسكرية، وحتى علاقاته مع حالات وقوى التحرر  المحلي،  وعلاقاته الأممية ، وطبيعة نشاطه  العام.

في الختام:

يمكن للمنتقد الكريم أو لأي التأمل في هذا العرض البسيط والخروج منه بنقاط اتفاق ونقاط اختلاف جديدة. 

  موقع الكاتب : http://www.rezgar.com/m.asp?i=1248

فهرس الأخبار