عَنِ الافْرَاطِ في حُبِّ البَرْلَمَانْ أو حِيلَةُ العَاجِزْ
أحمد الحاج
ما كان لنا أن نعود إلى سؤال مشاركة الشيوعيين السودانيين ب "البرلمان الانتقالي"، لولا تزايد تلك النزعة المثالية، المغلفة بالديالكتيك، التي يُعبر عنها خطابٌ مؤثرٌ لأقليةٍ من الشيوعيين السودانيين. يتجلى ذلك الخطاب، في إصرار قيادة الحزب الشيوعي، ومؤيدو المشاركة أجمعين، على التمسك بفكرةٍ، ثبت عدم فعاليتها على ضوء الممارسة، وهي: أن المشاركة ب "البرلمان الانتقالي" من شأنها التأثير، إيجاباً، على قضيتي الحريات والتحول الديمقراطي، فضلاً عن إسهامها في توسيع دائرة نشاط الحزب وسط الجماهير، من خلال الدفاع عن مصالحها برلمانياً.
ولئن دفع بعضٌ من أغلبيةٍ رافضة، بحججٍ مضادةٍ، جيدة البرهان، على الصعيدين النظري والعملي[i]- يسندها في ذلك بئس مآل حال خمس دورات من "البرلمان الانتقالي"- فإن مؤيدي المشاركة باتوا كمن لا يبغى عن البرلمان حِوَلا! وإذ نضرب مثلاً، فإن عدداً من قيادات الحزب الشيوعي، ردد، غير ما مرة، أن الشيوعيين السودانيين ما هم بخارجين عن "البرلمان الانتقالي"، إلا في حال أن ثبت لهم عدم جدوى المشاركة فيه. وكدأب من لا يَسْتَرشِدُ بهدى الديالكتيك، في التحليل الملموس للواقع الملموس، فإن مؤيدي المشاركة لا يبصرون حقيقة أن ليس ثمة برلمان بالمعنى، سوى برلمان المؤتمر الوطني، أو "برلمان الكيزان" كما تسميه عضوة اللجنة المركزية، سعاد إبراهيم أحمد. ذلك أن الغَلَبَةَ، في ما يسمى برلماناً إنتقالياً، ليست سوى لحزب المؤتمر الوطني (52%)، إذ هو يصدُّ عن سبيل التحول الديمقراطي، وإطلاق الحريات، ومحاسبة المفسدين. أوليس البرلمان الانتقالي، لمن أراد الفصل، سوى قبةٌ لتدبير شؤون دولة الأغنياء (الطفيلية الإسلامية)، التي ما أنفكت تنقض العهود، من بعد ميثاق، وتفسد في الأرض: قتلاً، وتشريداً، وإكتنازاً للمال؟!
وإذ هي الحال، فإن مؤيدي المشاركة يقولون إنما فتحت المشاركة باباً للحصول على بيناتٍ ما كانوا أن يحصلوا عليها سابقاً[ii]. ذلك أن ما يُطرح من تقاريرٍ ب"البرلمان" يجعل الالمام بسياسات المؤتمر الوطني، ما ظهر منها وما بطن، شيئاً ممكناً، وتالياً، يغدو أمر تعريتها هيّناً يسيرا. غير أن العامة، بحسها الشعبي، كانت، دوماً، أكثر إدراكاً لماهية سياسات المؤتمر الوطني، إذ أن الخرطوم مدينة لا تعرف الأسرار! ومنذ متى كانت نضالات الشيوعيين السودانيين، في تعريتها الأنظمة الديكتاتورية، تعتمد على المشاركة في مؤسسات الديكتاتوريات؟! ثم ما جدوى الحلفاء (الحركة الشعبية) إن كانوا لا يحيطون حلفائهم علماً بمجريات البرلمان، ما ظهر منها وما بطن؟! وإلى هذا، فإن المحاجّة بأن المشاركة إنما تتيح الحصول على المعلومة، لا تعدو أن تكون تبريراً ضعيفاً.
وإذ تتراجع حججهم، في ضوء خمس دوراتٍ برلمانيةٍ، فإن مؤيدي المشاركة يقولون: إن الهدف من المشاركة بالبرلمان ما كان، أبداً، اسقاط قانونٍ، أو مشروعٍ، أو تمرير آخرٍ، بقدر ما كان الوقوف إلى جانب "حلفائنا" في الحركة الشعبية لتحرير السودان[iii]. غير أنّ المفارقة تتجلى في عدم وقوف الحركة الشعبية إلى جانب "حلفائها" بالبرلمان، إذ أنَّ للسلطة حسابات أخرى! وإن كان ثمة من هو في ريبٍ مما قلنا، فدونه، مثلاً، ملابسات إجازة قانون الأحزاب السياسية (يناير 2007)، وميزانية العام 2008 (ديسمبر 2007)، التي ما اعتمد فيها المؤتمر الوطني على محازبيه وحسب (الأغلبية الميكانيكية)، بل، كذلك، على تأييد الحركة الشعبية، وجبهة الشرق، وبعض من نواب كتلة التجمع! إن "التحالف"، وإن عنى شيئاً، إنما يعني، بداهةً، وجود أهدافٍ مشتركة يسعى المتحالفون لتحقيقها؛ بيد أن حال خمس دوراتٍ برلمانية، إنما يكشف أن ليس ثمة أهداف مشتركة تجمع الشيوعيين السودانيين، والحركة الشعبية، وبعض من بقايا فصائل التجمع الأخرى بالبرلمان. فأية أهداف مشتركة هذه التي تجمع "الحلفاء" بالبرلمان إن لم تكن الوقوف ضد إجازة ميزانية العام 2008، وترسانة القوانين الأخرى التي تشرعن لاستمرار هيمنة المؤتمر الوطني، وتصد عن سبيل التحول الديمقراطي وإطلاق الحريات؟! إنما ظل هدف الشيوعيين السودانيين، دوماً، هو الدفاع عن مصالح العامة، والدفع بإتجاه الحريات والتحول الديمقراطي؛ وعليه، فإن أي تحالف لا يوفي هذا الاستحقاق يغدو فاقداً لبوصلة الديالكتيك هاديةً ضد تيه القافلة. ولايجب أن تصُدَّ فرضية وجود "تحالفٍ" مع الحركة الشعبية الشيوعيين السودانيين عن توجيه النقد الصارم للحركة، متى ما زاغت، تحت تأثير مُسْكِراتِ السلطة، عن إحترام تاريخها النضالي الطويل، وشعاراتها ببناء السودان الجديد، التي إنما خرجت من رحم البرنامج الوطني الديمقراطي.
من ناحيةٍ ثانية، وحتى لا ننجرف وراء شعاراتٍ مثالية (الوقوف إلى جانب حلفائنا)، ما هي الكيفية التي سيقف بها الشيوعيون السودانيون، وربما التجمع، إلى جانب "حلفائنا" في الحركة الشعبية ب"البرلمان"؟ أوسيُعطي الشيوعيون الحركة دروساً في كيفية إدارة الصراع البرلماني؟ وإن كان كذلك، فإنما يُريد الشيوعيون، وربما التجمع، أن يُنَصِّبوا أنفسهم خبراء في "بناء القدرات" لحركةٍ خبرت نهج المؤتمر الوطني تفاوضاً وقتالا! بيد أنه، وإن سلّمنا، جدلاً، أن الأمر بناء قدراتٍ، أوَيَحْتَاجُ ذلك إلى المشاركة ب"البرلمان"؟! لكنهم يعودون ليقولوا: إنْ هو إلاَّ تنسيقُ مواقف. وإذ عادوا عدنا، لنقول: إن المواقف لا تُنَسَّقُ إلا لتحقيق أهداف؛ ولا تتمثل الأهداف ب"البرلمان"-أي برلمان- إلا في إسقاط قانونٍ أو قرارٍ، أو في إجازة آخر. ولئن كانت الغَلَبَةُ ب"البرلمان الانتقالي" للمؤتمر الوطني (52%)، فإن ما من هدفٍ له أن يتحقق دونما مباركة منه، وإن جيء بالحلفاء صفاً صفا. وعليه، تغدو كلمة "تنسيق المواقف" محض تجريدٍ غير قابل للتحقق/للتوقعن- إنْ أنتم إلا قليلٌ مستضعفون!!
وإذ هم قليلٌ مستضعفون، فإن عدم إقرار مؤيدي المشاركة بهكذا حقيقة، يرجع، في شطرٍ غير قليلٍ منه، إلى عدم قرائتهم الأمور في سياقٍ أكثر شمولاً- حالة التقهقر والتفكك التي ضربت التجمع الوطني الديمقراطي، منذ نهاية التسعينيات؛ إذ فرَّقَ المؤتمر الوطني الأحزاب وحده، مستفيداً من ظروف إقليمية ودولية مؤاتية، فضلاً عن ضعف إيمان أغلب فصائل التجمع بفلسفته؛ فَجُرَّ حزب الأمة إلى جيبوتي "نداءً للوطن" (نوفمبر 1999)، وتحت الضغط الأمريكي، هجرت الحركة الشعبية التجمع إلى نيفاشا (يناير 2005)، وتحت التأثير المصري، مهرت بقية الفصائل إتفاق القاهرة (يونيو 2005)، الذي وصفه محمد إبراهيم نقد، السكرتير العام للحزب الشيوعي، بأنه ضعيف؛ ثم ما لبثت أن وقّعَتْ جبهة الشرق، تحت الضغط الإريتري، إتفاق أسمرا (أكتوبر 2006). وإلى هذا، فإن مشاركة الشيوعيين السودانيين ب "البرلمان الانتقالي" لا تعدو أن تكون حيلةَ عاجز. ولئن ظن مؤيدو المشاركة أن بإمكانهم الدفاع عن مصالح العامة، والدفع بإتجاه الحريات والتحول الديمقراطي، تنسيقاً مع الحركة الشعبية، من داخل برلمان دولة الأغنياء، في صيغته الحالية، فإنهم لا يكسبون شيئاً، إنما كانوا أَنفُسَهُم يَخْدَعُونْ!!
يناير/فبراير 2008
[i] أنظر، مثلاً، عاصم فتح الرحمن (الميدان، العدد 2030، 26 يونيو 2007)، وتاج السر عثمان (الأيام، 21 يوليو 2007) ومقالنا طريق الحزب الشيوعي للخروج من البرلمان الانتقالي (الميدان، الأعداد 2041، 42، 43، سبتمبر 2007).
[ii] أنظر أحمد الفاضل هلال (الميدان، العدد 2051، 27 نوفمبر 2007).
[iii] أنظر المصدر السابق.