في التعقيب على مقال مجدي الجزولي "نحو مناقشة شيوعية لقضية اسم الحزب"

 

الهادي هباني

 

نستجيب لدعوة أستاذنا الجليل الفاضل مجدي الجزولي "نحو مناقشة شيوعية لقضية اسم الحزب" عنوان مقاله القيم المثير للحوار و الجدل المنشور في جريدة الميدان العدد 2098 و الذي أجد فيه  بعضا من التعميم المطلق و التبسيط لوجهات نظر الأخرىن! و الذي يتمثل فيما يلي:

 

1-   بدأ المقال بالتقليل من كل الجهود النظرية (دون فرز) التي تم تسجيلها في الصراع الفكري حول قضية اسم الحزب التي لا زالت مستمرة، سواء الجهود التي نادت بتغيير اسم الحزب أو التي تنادي بالإبقاء عليه كما هو، واصفا إياها بأنها عاطفية أكثر منها فكرية و ذاتية أكثر منها موضوعية و هذا في تقديري يتنافي مع أصول المناقشة الشيوعية التي هي شعار المقال و عنوانه الرئيسي (نحو مناقشة شيوعية لقضية اسم الحزب) فالتقليل من أهمية وجهات نظر الأخرىن و تبسيطها هو في الحقيقة لا يخدم قضية تطوير و تجديد الحزب و إنما يزيدها تعقيدا.  

مهام تجديد الحزب و تطويره تستدعي سعة الصدر و تتطلب تقدير مختلف وجهات النظر و عدم التقليل منها و التحلي بالصبر في السماع إليها أو الاطلاع عليها و امتلاك القدرة على استيعابها و استخلاص الإيجابيات التي تتضمنها و الاستفادة منها مهما كان مستواها الفكري و احترامها و إن طغت عليها العاطفة عن الفطن كما يقول و عدم التقليل منها لأننا بشر و لأن العواطف هي التي تغذي ضميرنا و إرادتنا و عزيمتنا و تحركها، و إذا كان فينا من ينادي بالإبقاء على اسم الحزب وفاءا لتاريخه النضالي و تاريخ قادته و شهدائه فهذا موقف إنساني يستحق أن يقرظ و يوصف بالنبل و الوفاء بدلا من التقليل من أهميته، و هذا على حد اطلاعنا و متابعتنا للصراع حول هذه القضية أحد أهم المبررات التي يرتكز عليها المنادون بالإبقاء على اسم الحزب دون تغيير.

2-   إذا كان التصور الخطي للانتقال من الثورة الوطنية الديمقراطية إلى الاشتراكية فالشيوعية تبسيط مخل للصراع الاجتماعي حسبما ورد في سياق المقال فما شمله المقال نفسه من حديث مطول عن الكومينترن الشيوعي و فرمانة عام 1921 بعنوان "مبادئ التنظيم الحزبي" التي أفرزها كوصفة لما يجب أن تكون عليه الأحزاب الشيوعية بما "في ذلك الاسم" و تأسيس الكونفورم عام 1947 و حله في 1956 مرورا بتأسيس حلف وارسو عام 1955 و ما يوحي إليه كل ذلك بأن تغيير اسم الحزب من الحركة السودانية للتحرر الوطني إلى الحزب الشيوعي السوداني في المؤتمر الثالث يندرج ضمن تلك الفرمانات!! هو في حقيقة الأمر عين التبسيط المخل للصراع الاجتماعي و قمة التهاون و الاختصار لتجربة الشيوعيين السودانيين و تجاهل قدرتهم على فهم الواقع الثوري الذي يناضلون فيه و قد عرفوا دائما باستقلاليتهم عن منظومة الأحزاب الشيوعية العالمية و أن علاقات الصداقة و الأممية (التي وطدها الحزب خلال مسيرته مع معظم الأحزاب الشيوعية العالمية) قد بدأت خلال فترة متأخرة جدا من تاريخ التأسيس، و أدبيات الحزب ذاخرة بالوثائق التي تؤكد تلك الجرأة و الاستقلالية و التميز عن الأحزاب الشيوعية الأخرى و أصدق دليل على ذلك كتاب آفاق جديدة لعبد الخالق محجوب، سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال و الديمقراطية و السلم، الماركسية  و قضايا الثورة السودانية، في سبيل تحسين العمل القيادي بعد عام من المؤتمر الرابع، حول البرنامج، الديمقراطية مفتاح الحل للأزمة السياسية ... إلخ.

3-   تعبير "مناقشة شيوعية" الذي ورد في عنوان المقال المعني و لوحده فقط ينفي عن كلمة "شيوعي" طابعي الجمود و الخيال و يعطيها طابعها العلمي و يجعلها مفردة تعبر عن الصراع الفكري البناء و القراءة الموضوعية للواقع و على عكس ما يوحي به مضمون المقال من طوباوية لارتباط اسمه بحقبة من عمله قامت على عدة مقولات، سقطت في اختبار التاريخ على حد تعبير كاتب المقال فإن تسمية "الحزب الشيوعي" منذ اندلاع الثورة البلشفية ارتبطت بمفاهيم التجديد و القراءة الماركسية الخلاقة للواقع التي تدعمها كثير من الحجج و البراهين من أهمها:

 

·      صراع لينين ضد الاشتراكية الديمقراطية لم يكن خيانة أو جريمة كما يوحي به المقال محل النقاش في تعبيره (أما حزب لينين فقد خلع اسمه القديمحزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي  بلشفيكليتحول إلىالحزب الشيوعيبلشفيك ظنا أن الثورة الشيوعية العالمية في أوروبا أصبحت وشيكة، وأن الأمر في روسيا هوبناء الاشتراكية المفضية إلى المجتمع الشيوعي، ومن ثم على الحزب أن يطرح في اسمه شعار ما هو قادم لا بد قانونا حاكما للتاريخ) و إنما هو موقف فكري ضد الأفكار البرجوازية الصغيرة التي كانت تميز الاشتراكيين الديمقراطيين خلال تلك الفترة التي ظلت تعيش في دوامة إعادة النظر في أخطائها و التمسك بتقاليد الدولية الأولى و الأيام الأولى من الدولية الثانية (راجع عبدالخالق محجوب – آفاق جديدة – ص 26) و كذلك خلال الفترات التي أعقبتها و التي شهدنا بعض تجاربها القاسية في السودان و مصر و بعض البلدان الإفريقية و العربية التي ضاقت بالنضال السلمي الدؤوب وسط الجماهير و آثرت الحلول العسكرية للوصول إلى السلطة و سرعان ما كشفت عن حقيقتها و تحولت إلى أنظمة ديكتاتورية معادية للديمقراطية نهبت خيرات شعوبها و فتحت أبواب الثراء الفاحش لقادتها و مؤيديها و ارتبطت بالإمبريالية العالمية و أصبحت وكيلا لها.

و لعل موقف حزب لينين "الحزب الشيوعي" الرافض للعنف في ثورة 17 حينذاك باعتبار أن الأزمة الثورية لم تنضج بعد و اشتراكه في الثورة فقط لإعطائها طابعها السلمي إنما يعبر عن قدرته على فهم واقع الثورة الروسية من ناحية و إلى أن الماركسية فكر مرن قابل للتجديد المستمر من ناحية أخرى (راجع المرجع السابق ذكره – ص 20/21). و هذا هو جوهر ما كان و لا يزال يدعو إليه الحزب الشيوعي السوداني و قادته من أن عملية تحسين التكوين الشيوعي للحزب لن تكتمل إلا بتطوير مقدراته في التطبيق الخلاق للماركسية على واقع السودان.

 

كما أن تبني لينين و البلاشفة لسياسة النيب (NEP) أو (NEW ECONOMIC POLICY) و التي تتعارض مع فكرة التطبيق الفوري للاشتراكية و تتيح قدرا من الملكية الخاصة وسط الفلاحين كضرورة لبناء القاعدة المادية للانتقال للاشتراكية تؤكد أن ليس هنالك طريقا واحدا ممهدا للانتقال للاشتراكية.

 

فقد كان البلشفيون عند وصولهم للسلطة في أكتوبر عام 1917 لا يعرفون كيف سيؤسسون الاشتراكية و التي كانت بالضرورة ستتحقق عبر مجموعة من التجارب كما أقر لينين حينها بكلماته المشهودة (إن كل ما كنا نعرفه هو ما قاله لنا الخبراء الأكثر معرفة في المجتمع الراسمالي ونظرة العقول الأكبر التي رأت مسبقا التطور الحتمي للراسمالية وهو أن التحول أمر لا مفر منه من الناحية التاريخية وإن التاريخ قد أصدر إدانته للملكية الخاصة لأدوات الإنتاج وإنه لابد من تفسخها في يوم ما وإن المستغلين سيجردون من ملكيتهم. لقد تم تحديد هذا قطعيا بشكل علمي وكنا نعرف هذا عندما رفعنا علم الاشتراكية وأعلنا أنفسنا اشتراكيين وأسسنا أحزابا اشتراكية وحققنا التحول الاجتماعي، كنا نعرف هذا عندما تسلمنا السلطة بهدف التأسيس الجديد للاشتراكية ولكننا لم نكن نعرف الشكل الذي سيأخذه التحول كما كنا لا نعرف سرعة تطور التنظيم الجديد مادياً ولا يمكن لنا أن نعرف ذلك، لكن التجارب الجماعية وتجارب الملايين تعطينا معلومات في هذا الموضوع وترينا الطريق) (راجع الاشتراكية اليوتوبية والاشتراكية العلمية- ص"159"). و في سياسة النيب  تجلت مقدرة الشيوعيين في التطبيق الخلاق للماركسية في واقع بلادهم و هم يواجهون تيارات طوباوية متمثلة في التيار اليميني الذي يدافع عن إلغاء الدور الطليعي للحزب طالما تم استلام السلطة و تسليم الاقتصاد للنقابات، و التيار اليساري بقيادة تروتسكي، زينوفييف، و كامانيف الذي يدافع عن التصنيع السريع و إلغاء كافة أشكال الملكية الخاصة بما في ذلك إلغاء سياسة النيب إلى أن ضرب بها ستالين عرض الحائط في مؤتمر الحزب الـ 15 عام 1927 الذي قاد حملة مكثفة لإلغاء الملكيات الزراعية و تصفيتها نهائيا.

 

أما الحديث عن تسمية الحزب بالشعار الاستراتيجي الذى يهدف إليه و الوارد في سياق المقال بما نصه (أن الحزب يطرح في اسمه شعار ما هو قادم لا بد قانونا حاكما للتاريخ) فهو يعبر عن ارتباط الماركسية و استنادها إلى التطورات في مجال العلوم النظرية و التطبيقية فعلم الإدارة الحديث و الذي خطا خطوات كبيرة خلال القرن العشرين يقوم على التخطيط الاستراتيجي و الإدارة الاستراتيجية القائمة على التفكير بشكل استراتيجي و التحليل العميق للبيئة الداخلية و الخارجية لأية منظمة حزبية أو غير حزبية و صياغة رؤيتها البعيدة و حلمها الذي هو سبب بقائها و الأهداف الاستراتيجية التي تصبو إليها قبل أن تحدد المسار الذي بموجبه يتم تحقيق ذلك الحلم و الرؤية. نتعلم و نأخذ من علم الإدارة الحديثة و بتعبير يبدو فيه نوع من المفارقة أو التناقض (Paradoxical statement)  و لكنه في الحقيقة تعبير ديالكتيكي يعبر عن العلاقة الجدلية بين الوسيلة و الغاية، بأن التخطيط الاستراتيجيي (يبدأ بتحديد النهايات) (Strategies start by defining ends) و لهذا يوصف برنامج مرحلة  الثورة الوطنية الديمقراطية بأنه برنامج استراتيجي له رؤية و حلم و هدف استراتيجي جوهري و رئيسي يتمثل في تحقيق الاشتراكية و الشيوعية.

 

تعلمنا الماركسية و التجربة أن اختيار الطريق الذي يقودنا إلى تحقيق ذلك الحلم يعتمد على تكويننا الطبقي الذي هو جزء لا يتجزأ عن التكوين الطبقي للمجتمع السوداني ككل و الذي تلعب فيه  البرجوازية الصغيرة الدور الطليعي و بالتالي فإن الاتجاهات التي قد تبدو أكثر ثورية و راديكالية داخل حزبنا هي في حقيقة الأمر أبعد ما تكون عن المفهوم  العلمي للموقف الثوري الذي يستمد جذوره و أصوله من قيم الصبر و الجلد المتأصلة في تراث شعبنا و قيمه المتمثلة في "الصبر طيب" ، "في التأني السلامة و في العجلة الندامة" ، "درب السلامة للحول  قريب" و غيرها من القيم و كذلك في أدب حزبنا و تراثه الذي هو جزء أصيل من تراث شعبنا. فليس بيننا من هو طامع في جاه أو سلطان أو تحقيق مجرد أحلام برجوازية متناهية في الصغر.

 

·      المؤتمر العشرون للحزب الشيوعى السوفيتي في فبراير 1956 كان معلما بارزا في تاريخ الحركة الشيوعية تقدم فيه شيوعيو الاتحاد السوفيتي بقيادة اللجنة التحضيرية المؤلفة من خروتشوف، شبيلوف، كاغانوفيتش، ميكوبان، سوسلوف، و فورشيلوف بنقد ذاتي لتجربة ستالين التي امتدت لفترة تجاوزت الثلاثين عاما على كافة الأصعدة في الخطاب الذي ألقاه خروتشوف في افتتاح المؤتمر وتلا فيه على مدى ثمانى ساعات تقريره المكون من مائة صفحة و ما أعقبه في 24 فبراير 1956 من جلسة سرية للمؤتمر استمعت إلى تقرير خروتشوف عن عبادة الفرد و سلبياتها و ضرورة ترسيخ مبدأ القيادة الجماعية منددا بجرائم ستالين وغروره و جرائم بوليسه السرى.

 

و قد كان المؤتمر في حد ذاته بما طرحه من فكر جماعي تطبيقا خلاقا للماركسية على ظروف الاتحاد السوفيتي و على ظروف العالم أجمع فقد أدى إلى تحسين الأوضاع المادية، الإفراج عن المعتقلين السياسين، تطوير الاقتصاد الزراعى، إصلاح نظام التعليم، الخطة السبعية، برنامج غزو الفضاء، تعاظم القدرة العسكرية للاتحاد السوفييتي، تطوير أنواع جديدة من الأسلحة الاستراتيجية، تنمية الاقتصاد السوفيتى، دعم قدرات الحزب الشيوعى وتنظيماته، حل الكومنفورم عام 1953، إنشاء حلف وارسو عام 1955، عقد اتفاقية الحظر الجزئى للتجارب النووية عام 1963، انتهاج سياسة انفتاح و تفهم و تأييد إزاء بلدان العالم الثالث وبخاصة الدول العربية، و اتخاذ موقف حاسم من العدوان الثلاثى على مصر، وتقديم المساعدات لبناء السد العالي فضلا عن مئات المشروعات الصناعية، وكسر احتكار صناعة السلاح في المنطقة العربية (سوريا ومصر)، و مد الجسور إلى يوغسلافيا (اتفاقية التقارب بين الحزبين والدولتين في عام 1955).(راجع ويكيبيديا الموسوعة الحرة – نيكيتا خورتشوف و عبدالخالق محجوب – آفاق جديدة).

 

ما ورد في الصفحة الثانية من نفس عدد جريدة الميدان رقم 2098 التي نشر فيها المقال محل النقاش بعنوان (مقتطفات من تقرير اللجنة المركزية المقدم إلى المؤتمر الثالث عشر للحزب الشيوعي في روسيا الإتحادية) في العمودين الثاني و الثالث ما نصه (لذا لابد من عقد المؤتمر العلمي العملي حول احتمالات وجوهر الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين. هناك ترويج لأفكار جديدة من أجل التخلي عن الماركسية والاشتراكية واسقاط كلمة شيوعي من حزبنا، علينا توخي الحذر وعدم الانجراف نحو الاشتراكية الديمقراطية في كل مكان في العالم تقريباً تخلى الاشتراكيون الديمقراطيون عن الكفاح من أجل الاشتراكية واتخذوا مواقف ليبرالية ويمينية) هو في حقيقة الأمر يدعم ما ذهبنا إليه و لسان حاله يقول ها هم ورثة الحزب البلشفي، بعد مرور ما يقارب القرن من الزمان من تاريخ تغيير اسم حزبهم من الاشتراكي إلى الشيوعي، لا زالوا ليس فقط يرفضون بل يحذرون من إسقاط كلمة شيوعي من اسمهم و الانجراف نحو الاشتراكية الديمقراطية.

 

4-   تسمية الحزب الشيوعي السوداني في المؤتمر الثالث لم تنبع عن قرب الانتصار النهائي للشيوعية كما يدعي المقال فالمؤتمر لم يقر ذلك و لم يتطرق له بهذا التبسيط و وثيقة "سبيل السودان نحو تعزيز الاستقلال و الديمقراطية و السلم" التي خرج بها المؤتمر أكدت على خط النضال السلمي الجماهيري لإنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية من أجل خلق الأساس المادي الذي تقوم عليه الاشتراكية فيما بعد باعتبار أن واقع السودان المتخلف لا يسمح في تلك الظروف بتطبيق الاشتراكية فضلا عن أن المتأمل للواقع الدولي في تلك الفترة يلاحظ و على عكس ما جاء في المقال من قرب انتصار الشيوعية بعض الظروف غير المواتية التي كان يشهدها الواقع الدولي المتمثلة في الانقسام الذي خلفه المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي (برغم إيجابياته الكبيرة) سواءا على صعيد الصراع بين الصين و الاتحاد السوفيتي و الذي عمل خروتشوف على تصعيده و مفاقمته بقرار سحب الخبراء والفنيين السوفييت من الصين ووقف المساعدات الاقتصادية والفنية عنها عام 1961، أو على صعيد الأحزاب الشيوعية الأخرى في أوروبا و في دول العالم الثالث التي أصيبت بالدهشة و الاختلال الذي لازمها لفترات طويلة أدت لانقسامات في العديد منها مما أضعفها و أدى إلى نمو الدعاية المضادة للشيوعية و إلى تقوية قوى الثورة المضادة و التيارات الاشتراكية الديمقراطية و العناصر المتقدمة من البرجوازية الصغيرة و خلق ظروفا مواتية لنهوض الطابع الإمبريالي للراسمالية أو ما عرف تاريخيا بالاستعمار الحديث عن طريق الشركات متعددة الجنسية و التحالف مع القوى التي هيمنت على الحكم عشية الاستقلال في دول العالم الثالث سواء كانت طبقات راسمالية أو إقطاعية أو شرائح من طلائع البرجوازية الصغيرة الصاعدة عن طريق التوكيلات التجارية و الصناعية.  

5-   أما فيما يتعلق بالنقطة ثالثا من خلاصة المقال الخاصة بأن يكون مقياسنا في اختيار تبديل اسم الحزب أو الإبقاء عليه هو مدى فعالية عملنا الجماهيري فنرى أنها دعوة تندرج ضمن دعوات الاستسلام التي تخدم دعاية قوى الثورة المضادة، ليس إلا، ممثلة في الراسمالية العالمية و وكلائها المحليين و في التيارات الإسلامية السلفية و الطفيلية التي عمدت على استثمار انهيار منظومة الدول الاشتراكية في إضعاف الأحزاب الشيوعية و إضعاف قدراتها على تجديد و تطوير نفسها و تحويلها في نهاية المطاف إلى مجرد أحزاب اشتراكية مستأنسة مشلولة فاقدة للحركة معزولة عن الجماهير لاغية عن نفسها طابعها الشيوعي الماركسي العلمي القادر على فهم الواقع و كشف الاستغلال الطبقي و تعبئة الجماهير و استنهاضها و توحيدها من أجل مقاومة الظلم و الاستغلال.

 

و بالتالي فإن تغيير اسم الحزب لا يخدم غير تلك القوى التي تحاول دون استسلام إيهامنا و جعلنا نصدق أن قصور عملنا الجماهيري طوال السنوات السابقة كان بسبب تسمية "الحزب الشيوعي" و تلهينا بالتالي عن القيام بمهام تجديد حزبنا على أسس ماركسية سليمة و تقييم تجربتنا في العمل الجماهيري و معالجة سلبياتها و تطوير إيجابياتها و التحول الفعلي إلى قوى اجتماعية كبرى وسط الجماهير فهذا ما كان يؤرق قوى الثورة المضادة منذ تأسيس الحزب و حتى الآن و سيظل كذلك يؤرقها و يلازم حزبنا و يلاحقه إلى أن يرث الله الأرض و ما عليها.

 

إن اسم الحزب الحالي لم يعق الانتشار و الوصول إلى الجماهير حتى في القطاعات التقليدية و المحافظة و المناطق المهمشة و لم تسجل في تاريخ الحزب و الحركة السياسية أحداث أو وقائع تؤكد عكس ذلك بل أن تلك الجماهير في مختلف مستويات تنظيمها قد دفعت بخيرة أبنائها و بناتها لعضوية الحزب و مواقع النضال و التضحية و الاستشهاد و تبوأت بعض طلائعها مراكز قيادية في الحزب و في العمل النقابي و الروابط و الاتحادات المهنية و المنظمات الديمقراطية و الاتحادات الشبابية و النسائية على الصعيدين المحلي و الأممي. و تمكن الحزب بفضل تلك الجماهير الوفية أن يدفع ببعض قياداته و كوادره و أصدقائه و حلفائه في البرلمان بعد ثورة أكتوبر 64 و انتفاضة مارس 85.

إن قضية إصلاح العمل الجماهيري بالنسبة للحزب ليست مسألة وليدة اللحظة و لم تأت نتيجة لسقوط منظومة الدول الاشتراكية و إنما كانت و لا زالت تشكل أحد الهموم و القضايا المحورية التي لازمت الحزب طوال مسيرته و كانت ضمن أهم أجندته و أسبقيات عمله القيادي منذ نشأته و أدبيات الحزب شاهدة على ذلك و من أشهرها وثيقة "إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير" كما أن قضايا الدين و الأخلاق كانت دائما تأتي في أولويات أجندة مختلف هيئات الحزب. و أن أوجه القصور التي يعاني منها الحزب حاليا في العمل الجماهيري  لن تحل بتغيير اسم الحزب و ستظل قوى الثورة المضادة تلاحقه حتى و لو أطلق على نفسه اسم "الحزب الإسلامي السوداني" و لكنها يمكن أن تحل بالتقييم الناقد للتجربة برمتها و البحث عن الأسباب الحقيقية التي أضعفت الانتشار الجماهيري الواسع للحزب و التي نرى أنها حدثت لأسباب عدة نرصد منها ما يلي:

·      انحراف الحزب عن الخط الذي رسمه لنفسه في مؤتمره الثالث و الرابع المتمثل في النضال السلمي الجماهيري الدؤوب و انسياقه وراء طلائع البرجوازية الصغيرة المتطلعة و تأييده لانقلاب 25 مايو و ما قاد إليه فيما بعد من خسارة بعض قيادات الحزب النافذة و بعض القيادات الوطنية الديمقراطية في يوليو 71 و التي لم تضر فقط الحزب لوحده و إنما عطلت مسيرة الثورة السودانية برمتها و زادتها تعقيدا.

·      الملاحقة و الحصار و حملات التصفية التي واجهها الحزب منذ تأسيسه و لا يزال يواجهها حتى الآن سواء في فترة الحكم الاستعماري أو خلال فترات الحكم المدني أو العسكري بعد الاستقلال.

·      ضعف الجبهة المالية و ضيق ذات اليد يعتبر أيضا من أهم الأسباب الجوهرية في شل حركة الحزب و تحديدها و التي ستظل تلاحق الحزب طوال سنوات عمره ما لم تعالج و تحل بشكل جذري.

·      بعض الأخطاء الذاتية للحزب و التي سبق و أن تطرقت لها وثيقة إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير و التي تتطلب الوعي بأننا نناضل في ظل مجتمع لا يفرق بين الداعية و الدعوة التي يبشر بها و أن هذا المجتمع يقترب من هذه الدعوة أو تلك بالدرجة التي تحترم عاداته و تقاليده و تعبر عن تطلعاته و آماله و تدافع عن حقوقه و تصون كرامته. و أن نحارب روح التعالي و كافة أشكال السلوك و الممارسات التي تسئ للحزب و الشعب بدرجة عالية من الوعي و الفهم الشيوعي المتقدم مؤمنين بأن القيم الاشتراكية التي نناضل من أجلها موجودة و متجذرة في تراث شعبنا الأخلاقي و الاجتماعي و أننا لا نستقي أخلاقنا و قيمنا أو نبحث عنها بين الطقوس و الكتب بل في مجموع القيم و المبادئ السمحة التي تتطلع إليها و تنشدها جماهير الكادحين من شعبنا.

 

من المفيد أيضا أن تضع مناقشة قضية اسم الحزب في اعتبارها اختلاف الواقع الديمغرافي للسكان عما كان عليه سابقا و معدلات نموهم في المناطق المهمشة برغم ويلات الحروب الأهلية و الواقع السياسي لتلك المناطق بما فيها جنوب السودان الذي يتبوأ الآن موقعا متقدما في توازنات القوى السياسية في السودان، و أن تضع في اعتبارها العلاقات المميزة التي تربط الحزب بتلك الجماهير و تلك المناطق دون أن تهتز و لو شعرة بماهية اسم الحزب ليس لأن تلك المناطق و الجماهير لا تعير اهتماما لقضية الدين و بعضها مسيحي أو لا ديني و إنما لأجل المواقف الصادقة التي سطرها الحزب و قياداته في التعبير عن قضاياها بدون خداع أو مزايدة منذ زمن مبكر و بالذات فيما يتعلق بالديمقراطية و الحقوق المدنية و تقاسم السلطة و الثروة و الحكم الذاتي الإقليمي في إطار السودان الموحد، و حق تقرير المصير.

أيضا نرى بالضرورة أن يكون للظروف العالمية الحالية التي تشهد أحد أهم أزمات الإمبريالة العالمية الحادة حضورا و انعكاسا في تناول قضايا تجديد الحزب و تطويرها و أن تعيد إلينا الثقة في مواجهة أهم قلاع الثورة المضادة التي تتهاوي و هي الآن في موقف تحسد عليه و أن نخرج موحدين آمنين سالمين غانمين أكثر قوة و أكثر صلابة ،،،

نشكر أستاذنا الجليل مجدي الجزولي مرة أخرى على مقاله الذي حركنا و دفعنا لإبداء مجرد وجهة نظر أتمنى أن تجدو فيها جميعا إضافة مفيدة لمسيرتنا العنيدة نحو الوحدة.

 

عاش نضال الشعب السوداني و عاشت وحدته

عاش نضال الحزب الشيوعي السوداني و عاشت وحدته

 

فهرس الأخبار