لم يحسن الاختيار !
عدنان زاهر elsadati2000@yahoo.com
أعجب كثيرا بهذا التعبير " لم يحسن الاختيار" ، واكتشفت أن عددا معتبرا من سكان أمريكا الشمالية يستعيرونه. و عموما يستخدم التعبير تجاه شخص فشل فى تحقيق أهدافه فى الحياة، أو لم يصب من النجاح ما كان يتمناه وما كان يتوقعه له البعض. أثر ذلك الفشل فى حياته الحالية و المستقبلية.
و التعبير لا يفرق كثيرا و لا يدقق، فى مدى قانونية و شرعية تلك الاهداف. و فى رأي أن التعبير يستبطن و يحمل فى مكوناته عميق من المدلولات.و هو يعنى – كما أعتقد – أن الحياة مجموعة من الخيارات، و تلعب المعرفة، السن، التجربة و المزاج دورا مهما فى تلك الخيارات. بمعنى آخر فان الشخص يمارس حرية مطلقة و بالتالى يكون مسئولا عن نتائجها.
هل ذلك مدخل مناسب للحديث عن " كنجا " ؟!
جمعنا الفصل الدراسى الواحد، المقعد المجاور و المراحل الدراسية الاولى. اسمه مثلثا " كنجارو مرحوم عبدالدائم"، و لطول الاسم ولسخرية الاطفال التى لا تخضع لمنطق اعتدنا على منادته اختصارا "كنجا". و الاسم لا بد أن يكون عالقا بذهن من عاصره فى تلك الحقبة، و ذلك لسببين الاول غرابة الاسم و تركيبته و ما تعارف عليه سكان امدرمان فى ذلك الزمن من أسماء! السبب الثانى تفوق كنجا الملفت للانتباه فى التحصيل الدراسى و انتهاء بالالعاب الرياضية و الصبيانية.
كان كنجا الاكثر ذكاءا و حضورا فى الفصل، أشجعنا و أجرأنا على القاء الأسئلة البكر العالقة باذهاننا الطرية على المدرس، كما كان الاقدر على ابتكار الالعاب المتفردة و المدهشة فى أوقات الفراغ، ثم اختفى كنجا و نحن فى الصف الرابع.
كنت أجلس فى احدى العصريات فى شاطئ النيل أمارس هواية صيد السمك الذى أدمنه، عندما جلس شخص بالقرب منى ملقيا بالتحية و مناديا باسمى كاملا كما ينطق فى المدارس. وجدت كنجا بلحمه و دمه، يبدو أكبر عمرا منى بالرغم من اننا فى نفس السن تقريبا. رحبت به ترحيبا حارا فقد كان يجمع بيننا ود و توافق مشترك فى كثير من القضايا.
و نحن نقوم بالصيد بدأنا فى تبادل الذكريات و التجارب، كعادتة تفوق فى عدد الاسماك التى قام باصطيادها و التكنيك الذى يستخدمه فى صيد البلطى، عندما حاولت التباهي بمعرفتى السمكية التى اكتسبتها من عدة مصادر و قليل من الاطلاع وجدته أوسع معرفة. رغم الاحترام الذى أكنه له و الذى- لا يشوبه حسد- وجدتنى اردد فى سرى مغتاظا من أين يستمد هذا الكنجارو معارفه؟!
صارت لقاءتنا منتظمة فى مواسم صيد البلطى و الترس و البياض. كنت أحكى له ما تعلمته فى المدارس و بطون الكتب و يحكى لى ما تعلمه من الحياة. و كالعادة كانت معارفه تدهشنى.
منتصف ستينات القرن الماضى كان عصر فوران الثقافة و السياسة، كان يسالنى عن بعض الكتب و الكتاب الذين يسمع بهم، و بعض المدارس السياسية. وجدتها فرصة لاستعراض معارفى و مهاراتى فى ذلك الوقت. حدثته عن الكاتب الفذ الطيب صالح، عن الشعراء صلاح احمد ابراهيم و غضبه "الما هاباى"، ودالمكى، الفيتورى، كجراى. تحدثنا عن شعراء المقاومة درويش، سميح القاسم و توفيق زيادة. تشابكت دروب النقاش بين صلاح عبدالصبور و نجيب محفوظ.
فى السياسة- التى تجبرنا على التطرق اليها- تحدثنا عن لينين، ستالين، تروتسكى، شى غيفارا، غارودى، روجيه دبريه و ارهاصات اليسار الجديد فى فرنسا. كان يسألنى عن اشياء أعجز عن الاجابة عليها لكن ذلك لم ينتقص من تقديره لى.
شيئين عجزت عن معرفتهم عنه، لم ترك الدراسة و هل ينوى العودة لها ، كيف يكسب قوته، الشئ الثانى لونه السياسى. فى الحقيقة سألته مرة بالصدفة عنهما و لم أعد لسؤاله مرة أخرى. فى احدى المرات و نحن نصطاد السمك فى موسم الدميرة سألته عن الدراسة و هل ينوى العودة اليها. أجاب باقتضاب "ظروف، و تانى ما راجع" و عندما سالته كيف يكسب قوته. اجاب بحدة "من سوق الله – أعمال حرة"
بعد ثورة اكتوبر سألته عن لونه السياسى و كنت أعلم نظرته الثاقبه فى كل المسائل السياسية. أجاب "أؤيد ما أراه معقولا" و عندما أضفت هل تعنى أنك مستقل رد " لا " . و لانى لم أفهمه لم أعد للموضوع مرة أخرى.
كنجا هو من أتاح لي الصيد بالآلات الحديثة، كنت وقتها لا زلت طالبا. فى أحدى المرات أتى الى شاطئ النيل و هو يحمل عصاتين للصيد و نحن نطلق عليهما اسم " بكارة" و لا أدرى كيف أتى الاسم. دفع الئ بواحدة و قال "أمسك"، قلت له متعجبا "حقت منو دى؟" اجاب مبتسما "حقتك يا زول دايرين ندخلك الحضارة" . لم يكن العالم بعد قد عرف تعبير التكنلوجيا و الذى أصبح استخدامها لاحقا، رائجا و ممجوجا حتى ادخلت فى مفردات الجنس!
قال انه قام بشراءها من "ميرزا" أشهر دكاكين الخرطوم فى ذلك الوقت و كما أعتقد فهو تاجر باكستانى أو أرمنى
ظلت علاقتى به مستمرة حتى التحاقى بالجامعة، ثم أختفى فجأة كما يفعل.
كنت اجلس فى مكتبى فى منتصف النهار ، بعد تخرجى و عملى بالمحاماة عندما دخل على كنجا يتبعه رجلا آخر. داريت دهشتى بالترحاب و دعوته للجلوس لضيافته. ذكر أن لا وقت له و ان الرجل الذى يتبعه هو رجل شرطة و طلب منى ان أقوم بعمل الضمانة له.
توالت البلاغات المدونة فى مواجهته ، كنت امثله دائما و أساعد بقدر ما أستطيع. و أنا أقوم بزيارته فى المستشفى و هو يقضى عقوبة السجن عشرة اعوام لاغتياله شخص، قال انه سخر منه و من اسمه و حاول التعدى عليه. مضيفا انه فعل ذلك دفاع عن النفس. عندما كنت أقوم بانهاء الزيارة قال وهو مبتسما ابتسامة عجزت عن فك طلاسمها "قلت لي انو لم أحسن الاختيار!!!"
هرب كنجا من المستشفى بعد أن غافل حارسه، و اقول أنا أنه اختفى كما يفعل دوما. بعد مضى ربع قرن من الزمان، و أخبار متواترة عن وفاته، عندما تمر ذكراه بذهنى أتوقع ظهوره أمامى فجأة و هو يتأبط عصا صيده و ملقى بالتحية. عندما يلم بى ذلك الحلم اليقظ ، دوما أتساءل هل أخطأ كنجا حقا الاختيار كما كنت أقول له؟! أم عاش الحياة القصيرة كما يريد و يحلو له، و بالطول و العرض!
9 مارس 2008