القداحة
عدنان زاهر elsadati2000@yahoo.com
تجولت، راجلا و متنقلا بين الموسكي و العتبة حتى شارع 26 يوليو فى القاهرة، أتأمل "الفترينات" الفاخرة المشعة بهاءا، بحثا عن قداحة متفردة. لم يكن ذلك التجوال هو الأول منذ وطئت أقدامي القاهرة، فمنذ خروجى الى منتصف تلك العاصمة متجولا أداوم على تلك العادة، عادة البحث عن قداحة رائعة و أشياء اخرى بسيطة لعادل. كنت فى بحثي الصبور و المتمهل، عندما أعجب بواحدة من تلك القداحات، أجد دوما واحدة أكثر منها جمالا و روعة، عندها أتحسس نقودى لاجدها لا تفى بالثمن لتلك القداحة و لاشياء صغيرة، فأؤجل الشراء الى مرة أخرى.
كان عزائى و سلواي فى هاتيك اللحظات - لحظات الفشل و التأجيل المتكرر- أن عادل كعادته لم يكن مستعجلا، اٍضافة اٍلى أنه يعشق الأشياء البسيطة و الأنيقة و كنت من جانبى حريصا و مصمما على تحقيق تلك الرغبات الخفية، التى لا يعرفها الا نفر قليل من أصدقائه و التى كان نادرا ما يبوح بها. ما أردت شراءه اضافة الى القداحة فى ذلك التجوال، ملابس داخلية، جوارب، غطاء للرأس "زعبوط " يقيه البرد الذى يحسه كثيرا من رأسه، و مبسم للسجائر، فهو لم يكن مبالغا و شرها فى طلباته الحياتية.
خمسة سيجارات كان يتناولها يوميا، و يحرص على توفير ثمنها من راتبه الضئيل الذى لا يتجاوز الثلاثين دولار بعملة الفرنجة، استحقها بعد أربعين عاما من العمل المتواصل من مطلع الفجر حتى غروب الشمس! عندما يعمل، يناجى الحديد و يداعبه، يسخط عليه أحيانا و يلعنه، و لخصوصية تلك العلاقة "الحديدية" أطلقنا عليه نحن أصدقائه و أخوته لقب "داؤود الحديد"، كان يفخر بذلك الاسم. كم هو رخيص الانسان فى أرضنا، أربعون عاما من العمل الدؤوب- عمرا بأكمله- و ثلاثون هى المقابل!!
أتذكر دائما سيجارته الخامسة، فقد كان حريصا على تناولها فى منتصف الليل أمام باب المنزل العتيق بالموردة. يقف هنالك بملابسه الداخلية ، منتصبا كتمثال لأحد أباطرة الرومان نافثا دخان سيجارته فى حنية، متأملا الفراغ العظيم الممتد أمامه. تلك العادة جعلته صديقا لسمار الليل، و العسس الذين يجيبون الأحياء بحثا عن اللصوص. يلقون عليه التحية و هم عابرون، يرد فى خفوت. البعض من سكان الحى كان يعنى لهم طقس وقوفه هنالك أن النوم قد أزف، كما كان وهج سيجارته الخامسة فنار للوالجين الى فناء ذلك الحى بأزقته المتداخلة و المتشابكة.
يصحو مبكرا ليتفقد مزرعته الصغيرة التى قام بزراعتها فى الفناء الخلفى لمنزلنا. تلك المزرعة السريالية الجميلة فى تناقضها و تنافرها، تجمع مزيج من الخضر و الفاكهة قلما تلتقى. جرجير، خضرة، بامية، رجلة، اضافة الى شجرة جوافة ، تين شوكى، موز، عنبة و دومة شامخة مزهوة بنفسها.
كانت تلك الخضرة المتنافرة تجود بثمارها الوفيرة، كما كانت هدفا دائما لغزوات صغارنا الذين يقومون بقطف ثمارها غير الناضجة. ذلك السلوك الطفولى غير المسئول كان يثير غصبه و دائما ما ينهى صياحه بتلك العبرات "يا شفع مستعجلين مالكم! هى الدنيا طايرة، ما تخلوها شوية عشان تنجض و بعدين اتحشوها."
كالعادة كان صغارنا لا يستجيبون لصياحه، و رغم تأنيبنا، زجرنا يستمرون فى تكرار عبثهم الطفولى . هم يعرفون أن غضبه ليس من القلب و سوف يقوم بمنحهم الثمار الناضجة حين جنيها.
الخميس كانت استراحة ذلك المحارب العظيم بعد أسبوع حافل بالعمل المضنى، كم تلهفنا نحن أفراد الأسرة لذلك اليوم، الذى يحمل بصماته الخاصة. لم يبخل بما كان تحمل يداه من راتبه البسيط، كم تذوقنا حلاوة طهيه و كرم ضيافته.
كنت عائدا ذلك اليوم- من فبراير- بعد تجوالى المعتاد بوسط القاهرة، عندما أخبرتنى زوجتى بنبأ توقف قلب عادل عن الخفقان، ذلك القلب الابيض، الأخضر و الحامل أحيانا لألوان قوس. أحيانا أتساءل كيف تتوقف الاشياء الرقيقة و المحبة للحياة عن الخفقان ؟! و هل هنالك توقا بها الى الرحيل و البحث فى المجهول؟!
هل تصدق يا أخى عادل لقد وجدت فى ذلك اليوم قداحتك الرائعة و المبسم الذى كنت أتمنىأن تدخن به سيجارتك الخامسة فى ليل ذلك الحى الهادى! فلم العجلة يا صديقى و حبيبى و قد كنت دوما تنادى بالمهلة و التمهل؟؟!!
5 فبراير 2008