انذار مبكر!

 

عدنان زاهر  elsadati2000@yahoo.com

 

عدنان زاهرحادث المدرسة البريطانية "جوليان جيبونز" بمدرسة الاتحاد العليا بالخرطوم و ماتبعها من تداعيات، فى تقديرى ليست حدثا عابرا يمكن تجاوزه أو نسيانه. هو حدث لا يمكن التعامل معه كاحدى مسرحيات " اللامعقول" التى درجت حكومة الانقاذ على القيام بها طيلة سنين حكمها الملئ بالمظالم و اضطهاد الاخرين. هذا الخبربقدر ماحظى  من تعليقات وردود أفعال داخلية و عالمية فهو يدفع و يلقى فى  ذهن المواطن المشغول بهموم  الوطن بكثير من الاسئلة و الافكار المرتبطة  بمسيرة تطورالحريات الديمقراطية فى السودان. هذا الخبر يطرح و يعيد الى الواجهة من جديد  قضيتين أساسيتين ظلتا على الدوام محور اهتمام السياسة فى السودان. القضيتان هما 1- استخدام و استغلال الدين فى السياسة لتحقيق مآرب دنيوية و مصالح ترتبط ببقاء النظام الحاكم و استمراره فى الحكم.

2-المحاولات المستديمة و المتكررة لاستغلال أية حدث للاعتداء على الديمقراطية و العمل دون كلل أو ملل على تحجيمها و تقييدها.

photo source http://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/africa/article2961571.eceالاستخدام السياسى للدين بدأ مبكرا فى العصور الاسلامية ، و أستخدم باشكال و طرق مختلفة لتحقيق أهداف سياسية بعيدة عن الاسلام.ذلك الاستخدام دفع  تيار من آخر من المسلمين  للوقوف ضده و مناهضته. ظلت أهم نقاط الاعتراض  للاستخدام السياسى للدين تتلخص فى الاتى أ- أن استخدام الدين فى السياسة يضفى على أعمال بشرية قداسة دينية لا تستحقها  ب- أن  استغلال و تفسير النص الدينى ظل على الدوام يتم  وفقا لمصالح تستهدف بقاء الانظمة الحاكمة فى السلطة ج- أن  تلك الممارسات و التفسيرات المتناقضة للنص الدينى بين حادثة و أخرى تنتقص من هيبة الدين..

بالطبع هنالك أمثلة متعددة فى التاريخ القديم و الحديث للاستخدام السياسى للدين، ولكننا نورد هنا مثالا واحدا ، ذلك لأنه وقع منذ عهد قريب و فى عهد السلطة الحالية. استخدمت الاٍنقاذ في بداية حكمها مفهوم الجهاد الدينى لخوض حروب  فى الجنوب و غرب السودان، هى حروب اسبابها و جذورها سياسية تتمحور فى التطور غير المتكافئ بين المركز و الهامش،  و الظلم و الاضطهاد الذى عانت منه فئات كبيرة من المواطنين السودانين لفترات طويلة من الزمن. دفعت الانقاذ بآلاف  الشباب الى محرقة الحرب واعدة لهم بضمان دخولهم الجنة و عرسهم من الحور العين. اقيمت الأعراس فى المآتم و تمت التجارة باحزان الأسر المفجوعة فى أبنائها، و كان يتقدم الرهط فى تلك المناسبات عراب الانقاذ و مفكرها فى ذلك الزمن د. الترابى. عندما وقعت ما اصطلح على تسميته فى الفقه السياسى السودانى " بالمفاصلة"  بين جناحى الاسلاميين فى السلطة، الترابى من جانب و الرئيس عمر البشير و نائبه علي عثمان من الجانب الآخر، تم  الزج بالترابى فى السجن. تبدلت المواقف فى التفسير الدينى للاحداث، يخرج الترابى من معتقله ليدلى بأقوال أدهشت العالم، ذكر أن الحرب فى  الجنوب ليست جهادا، و أن من  ماتوا فيها ليسوا بشهداء، كما أن ليس هنالك حورا عينا. ذلك الموقف دفع الجناح المعارض له لتكفيره بل و الدعوة لمحاكمته بتهمة الردة، و لسخرية القدر كانت هى نفس التهمة التى اغتيل بها المفكر الاسلامى محمود محمد طه و كان مهندس اخراجها الترابى. هذا المثل يوضح بجلاء الاستغلال السياسى للدين و توظيفه لمآرب مرتبطة للبقاء فى دست الحكم.

كذلك ظل على الدوام الاعتداء على الفكر و المفكرين و ارهابهم يتم  بتوظيف شعارات دينية ، بل حتى الاعتداء على الديمقراطية تم فى مواقف  كثيرة باستغلال الدين سياسيا. فقد تم حل الحزب الشيوعى السودانى فى حادثة لاعلاقة له بها كما اتضح لاحقا، قتل المفكر الاسلامى محمود محمد طه  بتهمة الردة لتأتى المحكمة العليا لاحقا و تقوم بالغاء الحكم، كفر كثيرا من حملة الرأى فى زمن الانقاذ و أشهر سلاح التفكير فى وجوههم فى محاولات لمنعهم بالادلاء بآرآئهم.

بالطبع كتب الكثير عن حادثة المعلمة جوليان  جيبونز و أن ما وقع منها يفسر فى اطار اختلاف الثقافات، الضحل المعرفى بثقافة المجتمع السودانى و انعدام القصد و حتى الكيد لها من جهات أخرى.

ان مرأى الحشود فى شوارع الخرطوم المشحونة بالعاطفة الدينية و المضللة بتغبيش الوعى ، و هى  مدججة بالاسلحة البيضاء تهتف فى هستيريا،  تعيد الى الذاكرة مسيرات  تمت  فى ستينات القرن الماضى، و المسيرات المسماة بالمليونية فى زمن الديمقراطية الثالثة التى كانت  تهدف فى الاساس الى ارهاب الآخرين  و تكميم الافواه. تلك المسيرات قديمها و حديثها  تشابه الى حد كبير مسيرات النازية فى المانيا و استغلالها العاطفة الوطنية لارهاب الاخرين قبل صعودها الى السلطة، و ارتكاب المآسى البشعة فى حق البشرية. أن ماجرى و يجرى الآن من استغلال العاطفة الدينية لدى المواطن البسيط، هو جرس انذار مبكر لاصطفاف الحادبين على الوطن ضد النازيين الجدد تحت اسم و استغلال الدين فى السياسة.

17 ديسمبر 2007

موقع مقالات عدنان زاهر

فهرس الأخبار