افريقيا فى طريق عودة العدالة التائهة!!

 

عدنان زاهر  elsadati2000@yahoo.com

 

عدنان زاهرالعدالة تمضى الى الامام رغم بطء خطاها، محطات وقوفها المتكررة و يأس الشعوب فى أحيان كثيرة من امكانية تحقيقها فى عالم أصبحت فيه كفة السياسة ترجح كفة العدالة. هكذا تعلن محاكمة شارلس تايلور سفاح ليبيريا السابق، الذى بدأت محاكمته فى لاهاى فى 7-1- 2008،  تعقبه أيضا فى لاهاى محاكمة  كاتانغا الكنغولى المتهم فى جرائم ضد الانسانية، انتهاكات ضد النساء و استعبادهن و استغلال الأطفال و تسخيرهم فى العمل.

و لأن قصة صعود تايلور الى السلطة فى ليبيريا و سقوطه الداوى منها، هى حكاية تتكرر دوما فى كثير من الدول الافريقية- المستهان بها و المستحقرة-  تختلف فقط الحكاية فى تفاصيلها الصغيرة و البسيطة،  التى لا تغير فى مضمون سطو الدجالين و المغامرين على السلطة، استغلالها بلا كابح قانونى او أخلاقى لتحقيق مصالحهم  الشخصية، تراكم و  تضخم أرقام حساباتهم من الدولارات من الاموال المنهوبة من شعوب بلدانهم فى البنوك النائية و البعيدة  من أعين الفضوليين، ذلك بالطبع و  بالضرورة يفترض القاء الضوء على مسيرة حياته.

شارلس تايلور من مواليد ليبيريا 1948 و  ترجع جذوره الى اجداده العائدين اليها من امريكا. أكمل دراسته بكلية الاقتصاد  بأمريكا بولاية ماساتشوستس. بدأت علاقته بالسياسة بمعارضة حكومة وليم تالبرت رئيس ليبريا فى ذلك الوقت. عند سقوط حكومة تالبرت بانقلاب صمويل دو، استدعاه الأخير ليحظى بوظيفة مرموقة ليخرج منها  بفضيحة مجلجلة وهى سرقته لمليون دولار و هروبه الى أمريكا. قبض عليه فى أمريكا و أودع السجن توطئة لترحيله الى ليبريا. يهرب من السجن كما يحدث فى الافلام البوليسية الأمريكية، عن طريق نافذة بمغسلة السجن ليظهر فى افريقيا مرة اخرى على رأس تنظيم مسلح دعم و سلح بواسطة القذافى. خاض حربا ضد نظام صمويل دو،  متحالفا مع الجبهة المعارضة الاخرى التى يقودها جوهانسن حتى سقوط صمويل دو.

 انتخب شارلس عام 1997 ليصبح رئسا لليبريا، ليبدأ واحد من أسوأ انظمة الحكم فى افريقيا. اتصف نظامه بالعنف المنفلت ضد معارضيه، الفساد ، الفضائح و نهب خيرات البلاد. كون علاقات وثيقة بالجبهة المتحدة بسراليون و المعارضة لنظام الحكم هنالك، و التى أشتهرت ببتر ايادى معارضيها،  تجنيد الاطفال و اغتصاب النساء. التحالف كان يهدف لسرقة الماس من سراليون و بيعه فى الخارج و تحويل عائده الى جيوبهم. عندما أزكمت فضائحه العالم طالبته الامم المتحدة بالتخلى عن الحكم و اجراء انتخابات، تنازل عن السلطة بضغط من امريكا 2003 و لجأ الى نيجيريا.

طيلة السنوات التى تلت تخليه عن الحكم رفضت نيجيريا تسليمه  الى سراليون لمحاكمته على ما ارتكب من جرائم. أخيرا قرر اوبسانجو حاكم نيجيريا تسليمه الى ليبريا التى قامت  بدورها بتسليمه الى سراليون، ليحاكم امام محكمة سراليون الخاصة التى كونتها الامم المتحدة بمبادرة و طلب  قدم لها عام 2000 من رئيس دولة سراليون احمد تجانى كباح،  لمحاكمة مرتكبى فظائع الحرب فى سراليون. وجهت اليه احدى عشر تهمة، منها ارتكاب جرائم ضد الانسانية، جرائم حرب، جوناسايد.......ألخ، و لظروف أمنية حولت محاكمته الى لاهاى.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، محاكمة نورمبرج، افتضاح جرائم الهولكست النازى ضد اليهود التى أذهلت العالم، رفع المجتمع الانسانى كافة شعار"لا للعودة و تكرار تلك المآسى". يبدو أن الشعار كان حلما تتوق اليه الانسانية و لم يكن واقعيا، لم تمضى بضع سنوات و عادت الحروب و الانتهاكات أبشع مما كانت عليه. ومن الاحصائيات المدهشة  أن هنالك ما بين 150- 160 صراعا و حربا أهلية اندلعت فى العالم بعد الحرب العالمية الثانية. يقدر عدد الجنود القتلى خلالها ب 7 مليون وذلك دون حساب الجرحى و المشوهين!! ناهيك عن عدد القتلى من المدنيين الذين راحوا ضحية تصفيات الانظمة المستبدة.

امتدت خرطة الانتهاكات و المذابح من كمبوديا و فيتنام ، يوغسلافيا السابقة، أمريكا اللاتينية لتنتهى فى افريقيا ، سراليون، ليبيريا، الكنغو، روندا و السودان...ألخ و ارتكبت مذابح اهتز لها ضمير العالم.

مالنا نذهب بعيدا، لنورد أمثلة من السودان و هى منتقاة أما لفظاعة الحدث و انتهاكه للقانون الدولى و حقوق الانسان و استمراره ونحن نسطر هذا المقال. فى دارفور القتل، التهجير الجماعى و اغتصاب النساء سجل ارقام مرتفعة لتجعل منها أسوا المناطق فى العالم فى القرن الحادى و العشرين. القتل وصل 300 ألف قتيل و التهجير القسرى فاق ال2 مليون نازح. مرتكبى جرائم الحرب لا زالوا مطلوقى السراح رغم مطالبة المحكمة الجنائية الدولية والمجتمع الدولى بالقبض عليهم و تسليمهم،  بل لازالوا يمارسون مهامهم فى ارفع المناصب فى الدولة (راجع صحيفة السودانى العدد 776 بتاريخ 11-1-2008- كان عل رأس الوفد الوزارى لحل النزاع الناشب بين جيش الحركة الشعبية و قبيلة المسيرية فى منطقة الميرم،  السيد  وزير الدولة بالشئون الانسانية أحمد محمد هارون و هو  المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الانسانية!!!)

اٍن محاكمة شارلس تايلور تقلق مضجع الكثيرين من مرتكبى جرائم الحرب و الجرائم ضد الانسانية، وهى استخلاص من دروس التاريخ ، ذلك أن استمرار حوادث القتل ضد الشعوب يستمد استمراره و ديمومته من غياب المساءلة. لا بد للشعوب أن تعمل كى لا يفلت المجرمون من العقاب تحت أى تسوية سياسية ، و لكي لا يعيشون بعدها، يمدون لسانهم في سخرية يستمتعون بما نهبوا من خيرات أوطانهم.

13 يناير 2008

موقع مقالات عدنان زاهر

فهرس الأخبار