الانقـــاذ تــتنصل مـن وعــودها بتــنمية واعمــار الشــرق

 وتصــر علي مــص الدمـــاء

د. أبومحمد أبو آمنة

د. محمد أبو آمنةرغم ان شرق السودان يضخ اكثر من 600 مليون دولار سنويا للميزانية المركزية الا انه يعتبر من اكثر المناطق فقرا، واكثرها تهميشا، اكثرها جهلا، اكثرها تعرضا للمجاعات وسوء التغذية والاوبئة الفتاكة، واعلاها في نسبة الوفيات وخاصة بين الاطفال والنساء. اعترفت الانقاذ بكل هذه الحقائق كتابيا في اتفاق اعلان المبادئ المبرم بينها وجبهة الشرق عام 2006 ووعدت بازالتها. الا انها في الاتفاق الموقع في اسمرة في نفس العام اتضح انها ستستمر في استغلال الشرق اذ اصرت علي حيازة كل موارد الشرق مقابل 600 مليون دولار للتنمية والاعمار تدفع خلال 5 سنوات. وحتي حينما حان موعد تسديد  المبلغ الذي التزمت به بعد سنتين من توقيع الاتفافية وهو 225 مليون دولار تنصلت من وعودها وقدمت فقط 50 مليون. الغريب هو هذا السكوت الذي يلازم مجموعة اسمرة اذاء هذه الاعتداءات علي الاتفاقية الهزيلة.

ان صندوق التنمية والاعمار الذي اتت به هذه الاتفاقية هو صندوق تسيطر علي ادارته سلطة الانقاذ  لوحدها وحتي لو فرضنا انه حقق اي انجاز فسيحسب ذلك في صالح الانقاذ. الواقع المرير انه لايحتوي علي اي مشاريع لتنمية حقيقية للريف وللقبائل الرحل.

ان الانقاذ رغم الاتفاق المبرم في اسمرة تفعل بالشرق ما تشاء، فالامور تسير كما كانت قبل التوقيع. ان الانقاذ تظن انها بتقديمها بعض المناصب الديكورية لبعض قيادات جبهة الشرق قد اسكتت اهل الشرق، الا ان الاحداث اثبتت ان جماهير الشرق تعارض ذلك الاتفاق الهزيل وانها ستواصل النضال بمختلف الطرق لتحقيق تطلعاتها في شرق سعيد وفق مبادئ  تنظيم مؤتمر البجا منذ  1958 وعبر مقررات لقاء تسني عام 2006. ان البجا لن يتنازلوا عن مطالبهم التاريخية مهما رشت الانقاذ وافسدت، تلك المطالب التي حملوا من اجلها السلاح وقدموا الشهيد وراء الشهيد.

ان اهل الشرق سيناضلون من اجل تقاسم الثروة بنصيب عادل من واردات الجمارك  والموانئ البحرية والجوية والمعادن كالذهب والفضة وانابيب النفط وكل الطرق التي تعبر اراضي الاقليم.

لا احد ينكر ان ظروف التصالح التي تسعي اليه ارتريا مع نظام الانقاذ قد اتي بسلبيات علي مسيرة النضال البجاوي وجاء بنكرات الي الساحة السياسية ووضعها في مناصب لم تبذل اي تضحية من اجلها، مناصب جاءت بعد تضحيات ابناء الشرق المناضلين البررة. هذه الشخصيات قذفت بها ارتريا الي الساحة السياسية ليست لها سمعة حسنة، فالكثير تدور حولهم التهم بالفساد وبالانحرافات، والانتماء الي اجهزة امنية وبالانتماء الي المؤتمر الوطني، ويتصفون بالانتهازية وبالتسلقية السياسية.

لا يتوقع من هذه المجموعة ان تحقق اي انجاز لاهل الشرق. هذا يتطلب من ابناء الشرق الحادبين من كل الاتجاهات السياسية التفاكر لوضع برامج تنموية حقيقية واجبار سلطة الخرطوم علي تنفيذها.

لاجراء تنمية حقيقية لابد من وضع حد لمعاناة البجا المزمنة من مجاعات وتخلف وامراض وفقر وجهل وسير اكيد نحو الفناء. يقتضي هذا وضع حد لحالة الترحال المستديمة وانشاء مشاريع تنموية اعاشية ليستقروا حولها.

يجب العمل علي استقرار الرحل بمنحهم مشاريع زراعية وتوفير المياه بحجز الخيران الموسمية الكبيرة  وتشييد الطرق والتعليم والعناية الصحية والقري المناسبة والحاقهم بركب الحضارة ويستدعي هذا ايضا:

تأهيل المشاريع الزراعية وتنمية الريف

في القاش وبركة واربعات والرهد وحلفا الجديدة، وازالة المسكيت ومكافحة الحشرات،

توفير التمويل المتيسر للمزارعين، وبشكل خاص لصغارهم، ودعهم وتزويدهم ،بشروط ميسرة ،بالبذور والأسمدة والاهتمام بمكافحة الحشرات والأمراض والآفات الزراعية، وتحديث أساليب ووسائل الإرشاد الزراعي.

الاهتمام بالأراضي الزراعية وحمايتها من زحف الصحراوي والمراعي الطبيعية ومكافحة ملوحة التربة وخاصة في اربعات واستصلاح أراضي زراعية ومنحها للرحل. 

ضمان أسعار عادلة للمنتجات الزراعية وتشجيع تصنيع وتصدير الفائض منها كالطماطم في بركة.

انشاء مشاريع ذات عائد سريع والسعي لتشغيل المصانع المتعطلة

لابد من اهتمام خاص بصغار المنتجين من حرفيين وأصحاب الورش الصناعية الصغيرة ومساعدتهم على النهوض بمشروعاتهم المتعطلة للدور الذي يمكن أن ينهضوا به في مجالات التشغيل والتدريب المهني وفي زيادة الإنتاج وإشباع جزء من حاجات الأسواق المحلية وتوفير فرص العمل لابناء الاقليم.

اغلب المصانع في بورتسودان تعطلت عن العمل. يجب ازالة كل العوائق التي ادت لذلك. هذه المنشئات تشارك بصورة فعالة فى التطور ومحاربة العطالة وتوفير السلع ورفع المعاناة.

القطاع الخاص يلزمه الدعم وطمأنته بإقامة بنية مستقرة، قانونية وإدارية ومالية ومنحه تسهيلات وأشكال مناسبة من الحماية حتي ينهض ويؤدي مهامه.

الثـــروة الســــمكية

تتمتع سواحلنا علي البحر الاحمر بثروة سمكية جيدة مما جعلها هدفا للنهب المتواصل من العديد من الدول خاصة دول الجوار. يستدعي هذا منع كل سفن الصيد الاجنبية من الاقتراب من شواطئنا لنهب ثرواتنا السمكية وتشديد الرقابة علي المياه الاقليمية وفرض العقوبات المناسبة للمتسللين.

يجب الارتقاء باسنثمار الثروة السمكية وتوفير احتياجات السماكة من قوارب ومكنات وشباك ومصانع ثلج باجر منحفض.

كما يجب تشجيع تصدير السمك للخارج والي داخل القطر ومساعدة اي جهود ترمي الي تعليبه.

الســــياحة

يتمتع الاقليم الشرقي بإمكانيات فريدة للسياحة يمكن أن تنهض عليها، في الأوضاع الطبيعية، صناعة سياحية متطورة حيث تنتشر في  البحر الاحمر شعب مرجانية لا يوجد لها مثيل في العالم. يمكن ان تدر السياحة عملة صعبة تفوق تلك التي نجنيها من الموارد الاخري مجتمعة كالبترول والذهب، وتجعل السودان من اغني الدول السياحية. 

كما يجب إنشاء  وتطوير وتوسيع المرافق السياحية الاخري والارتقاء بمستوى خدماتها وتشجيع السياحة الداخلية.

الا ان التلويث البيئي الذي جلبه تصدير البترول سيحـطم تلك السياحة الناشئة ويهدر المليارات من الدولارات التي يتوقع ان تجلبها السـياحة لو سـارت في الطريق الصحيح. يسـتدعي ذلك اولا      

الاهتمام بإيجاد وتأهيل  كوادر سياحية والعناية بتطوير المعاهد الخاصة بذلك الي جانب الاستفادة من خبرات الدول الخارجية وبيوتات السياحة العالمية وخاصة من دول الجوار.

التربية والتعليم والبحث العلمي

اعتبار قطاع التربية والتعليم من الأولويات الهامة وتخصيص الموارد المالية والمادية والبشرية اللازمة له، وإعادة النظر في نظام ومناهج التعليم وطرق التدريس بما يتفق وتأمين مستلزمات التقدم التقني والمادي وإرساء قاعدة تعليمية متطورة، وتشجيع الابتكار والبحث العلمي، وربط العملية التعليمية بعملية التنمية الشاملة في الاقليم.

 الاهتمام بالتراث وباللغة البجاوية وتدريسها في المراحل الابتدائية علي اقل تقدير.ووضع خطط علمية لاستكمال عملية مكافحة الأمية، وضمان مجانية التعليم في المراحل الدراسية المختلفة، وإلزاميته في الدراسة حتي الثانوية، وتوفير الداخليات مع الاكل المجاني للتلاميذ من القوميات المتخلفة.توفير اماكن بجامعات الاقليم بنسبة لا تقل 30% لابناء البجا بموجب التمييز الايجابي و10% في  الجامعات الاخري. يجب الا تقف اللغة العربية عائقا لمنح الشهادة السودانية لغير الناطقين بها من ابناء الاقليم. ويجب تكوين هيئة رفيعة المستوى تعنى برعاية التراث البجاوي وتطويره، وتدوينه وتشجع  دور المثقفين والفنانين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية ، في رسم وتطويرالتراث البجاوي.

الرعــاية الصــحية

تنتشر قي الشرق المجاعات وامراض سوء التغذية والامراض المعدية وخاصة أمراض الجهاز التنفسي المزمنة وتعلو نسبة الوفيات بشكل مفزع.

ولذلك يجب الارتقاء بكل مناشط الرعاية الصحية الاولية وخاصة صحة البيئة والتحصين والصحة المدرسية وصحة الطفولة والامومة والرقابة الصحية.

يجب ضمان حق التأمين الصحي للسكان، جميعاً، كجزء من منظومة الضمان الاجتماعي ـ     وإعادة تأهيل المؤسسات الصحية ومد شبكة واسعة من المراكز الصحية والمستشفيات الريفية مع الاهتمام بالتوزيع الجغرافي، وضمان تقديم خدمات الرعاية الصحية المجانية الوقائية والعلاجية، إلى المواطنين والعمل على إيصالها إلى كافة المناطق. والعمل المتواصل لنشر الوعي الصحي للسكان ـ وتوسيع وتطوير التعليم الصحي والمهني ، كما يجب الاهتمام بتوفير وبتحسين نوعية مياه الشرب ومنعها من التلوث وتحديث وتوسيع شبكة الأنابيب، والعناية بإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي بالمدن.

العمل على تشريع قوانين وضوابط السلامة المهنية في المؤسسات والمواقع الإنتاجية.

المــياه الريـــفية

يجب بناء السدود لجمع مياه الخيران الموسمية الكبيرة كخور عرب واديت وايت استجابة لحاجات الاقليم من مياه الشرب ولأغراض الرعي والزراعية والصناعية وحمايتها من التلوث ، الي جانب الاهتمام بالمياه الجوفية واستغلالها، وحفظها.

الايــدي العـاملة ومــحاربة العــطالة

ـ يجب اتخاذ الخطوات الملموسة لمعالجة الآثار السلبية التي خلفها تحويل اجراءات التخليص الي الخرطوم وكذلك تلك التي خلفها التحول الي استعمال الحاويات مما ادي الي تفشي العطالة وما يصحبها من سلبيات اجتماعية معروفة،

ـ دعم إنشاء وتطوير المشاريع الإنتاجية والخدمية الصغيرة والمتوسطة التي تستثمر مزيدا من الأيدي العاملة ولا تحتاج إلى رؤوس أموال أو عملة صعبة كبيرة.

ـ إصدار التشريعات الكفيلة بضمان تمثيل العمال في مجالس إدارة المشاريع والمؤسسات الاقتصادية، والحكومية منها على وجه الخصوص، وتنفيذ التمييز الايجابي بالنسبة لابتاء الاقليم في استيعاب العاملين، وضمان الحريات النقابية للعاملين،

خـــلاصة

اري ان الانقاذ ستواصل تنصلها من وعودها بتنمية واعمار الشرق مما يستدعي اتفاق اهل الشرق بصرف النظر عن توجهاتهم السياسية حول وضع حد ادني للمطالب التي تجمعهم للنضال معا من اجل تحقيقها. لقد وضعت في هذا المقال اقتراحات وخطوط عريضة يجب ان تحظي بتقاش واسع من قبل كل الحادبين  والمختصين في مختلف مواقعهم من المحليات الي الاقليم الي المركز للتوسع فيها وللسعي لتحقيق ما يتفقون حوله مما هو ضروري لمنطقتهم.

 فهرس الأخبار