بيت الساحر .. الشيوعي!

ضيف على الرزنامة: عبد الله علي إبراهيم *

 
 

رزنامة الأسبوع 15-21 يناير 2008

فلاش باك:

حنتوشي يا كنتوشي

الثلاثاء 23/1/08

شاعت دراسات ما يعلق بالنفس بصورة دائمة من تجارب قاسية مثل خوض حرب، أو انفصال والدين، أو اضطهاد زوج لزوجته، أو العكس، أو ما إلى ذلك. ويسمون هذه العالقات بـ  trauma، ووجدت من ترجمها بـ (الجرح النفسي)، وفضلت تعريبها بـ (الرضوض النفسية)، مشغولاً بمعني أن هذه العالقات إنما تنجم عن صدمة تترك (رضوضاً) في دخيلة المرء.

وقد لاحظت، منذ حين طويل، أنه يتكرر عليَّ حلم مزعج يرواح عند أيامي التي كنت مختفياً فيها ضمن كادر الحزب الشيوعي المتفرغ على أيام حكم النميري، تحديداً خلال السنوات من 1973 إلى 1978م. محور هذا الحلم هو انكشاف موضع اختبائي لجهاز الأمن، وحرجي من المتاعب التي سيجرها هذا الافتضاح على الأسرة التي تفضلت بدسِّي عن أعينه. وكان ذلك الحرج أكثر همِّي في سنواتي تحت الأرض. والسبب في ذلك أنني، تقريباً، عشت متخفياً على نفقتي الخاصة بفضل شجاعة ورحمة نفر من الاصدقاء والمعارف ومن لف لفهم. ولم أحظ بتأمين مؤسسي من امكانات الحزب وتدبيره إلا نادراً. وكانت نظرية الحزب من وراء عدم تشوطهم بي أنني كاتب معروف كثير الاصدقاء ممن سيعتنون بي ولا بد. وكان أن ترتب على هذا الضرب من الاختفاء (من منازلهم) ان اصبحت شديد الدَّيْن لِمَن وفروا لي معيناته، وكثير الحرص على ألا أفرط في نفسي، فأقع في يد الأمن، فيتأذى المضيفون من ذلك!

ولم يكن نظرياً، أو من فراغ، خوفي من أن أسقط فيسقط أولئك المضيفون في يد الأمن بسبب تفريطي. فقد حدث، بالفعل، أن طوقت وداهمت قوات الأمن مدينة (الثورة)، الحارة 11، حيث كنت أختفي مع أسرة فاضلة، بعد الهجمة التي شنتها معارضة الجبهة الوطنية المسلحة على نظام نميري في 1976م، والمعروفة بحادثة (المرتزقة). وفتش المداهمون الحارة منزلاً منزلاً. ودخلوا دار مضيفي بالطبع، وكنت أنا فيها كما أنا .. (صلعة ونظارات) بدون شك أو التباس! وأذكر أنني حاولت أن أصرف عني أنظار المداهمين بـ (الذوبان)  في المشهد الأسري من حولي! فإذا بهم وقد وجدوني (ألولي) طفلاً حديث الولادة، بعد أن انتزعته على عجل من حضن أبيه، وطفقت أحنو عليه:

ـ "حنتوشي يا كنتوشي .. حلاتو يا ناس الله"!

مرت الحادثة المحرجة بسلام، خلواً إلا من فكاهة ترتبت عليها، وفكرة خطرت لي لتحسين صورة اختفائي. فأما الفكاهة فقد جاءت بها أم الصديق الذي آواني، حيث أوقفت عناصر الأمن، في تلك الأيام، التاكسي الذي كان يقلها عند كبري أم درمان، بحثاً عن سلاح أو (مرتزقة)، وفتشوه على بكرة أبيه. واضطرب السائق حد الاضطراب لما عثروا على صُرَّة بنقو في ضهرية العربة. ولما رأوا هلع الرجل ضحكوا وقالوا له:

ـ "أها نحنا الليلة ما دايرين دا"!

فتنفس التكاسي المذعور الصعداء!

ولما بلغت الحاجَّة البيت حكت النادرة لنا، وشعرت بأنها إنما كانت تغمز من قناتي، مُلمِّحة إلى تفتيش المنزل وعدم القبض عليَّ، لأن الأمن لم يكن يبحث، في يومه ذاك، عن البنقو (الشيوعيين)، وإنما عن (المرتزقة)! فضحكت في سري كثيراً لبراعة تلك الحاجَّة وهي تتنقل بين المجازات بمثل ذلك اليُسر!

ساقتني تلك التجربة، والتي فقدت بها ذلك المنزل كمخبأ إلى الأبد، إلى التفكير في تحسين صورة وجودي في دنيا الإختباء. فلو كنت متنكراً يومها في صورة غير التي  كنت عليها لما عانت الأسرة من حرج وجودي بينها وخطره، ولحمدت لي عنايتي بتجنيبها الأذي بغير حاجة. وخرجت من التفكير في تغيير صورتي من لبس الجلابية و"التوب وسروال ومركوب" إلى خطتين: أما الأولي فقد أرسلت إلى صديقة بأمريكا فجاءتني بشعر مستعار! ثم زدت على ذلك  بتفصيل بعض مناطلين الشارلستون، وكانت رائجة في السبعينات. فأصبحت أنا غير أنا، وعلى حال غير الحال، حتى أن صبيَّة مليحة من بنات الديم رأتني ادخل سيارة صديق معاون فشاغلتني:

ـ "يا خنفس .. يا"!

أم تراني تصورت ذلك؟! وقد دخلت بتلك الهيئة المتنكرة على الرفيق نقد فلم يستطرفها أو يستظرفها .. على أن تلك قصة أخرى!

كان أكثر هدفي من ذلك التنكر ألا يجدني الأمن، متى دهم دار مضيف، بصورتي التي لا تغباهم: أبو عيون أربعة وبصلعة! ورتبت، إذا طال التفرغ  بي، أن أكتسب شخصية أخرى غير تلك التي لا تخرج إلا متجلببة، وليلاً، فقط، كالخفافيش! وصمَّمت، متى نجحت خطتي، أن أحيا حياة عادية، كأن أدير دار نشر، أو مكتبة، أو غيرها مما يليني من مسئوليات حزبية بغير تكدير. والحقيقة أنني كنت استلهم، طوال تفكيري في هذا التنكر طويل المدى، بطل رواية (الخبز والنبيذ) للكاتب الإيطالي إقنازيو سيلوني، والتي عمد فيها الكادر الشيوعي المختفي علي عهد الفاشية ببلده إلى التنكر في زي قسيس! ولا أزال أتحين الفرص لقراءة هذه الرواية الغراء.

أما الاجراء الآخر فهو أنني سعيت بشدة لاكتساب بطاقة شخصية، باسم مغاير، لـ (الشخص) الذي اتفق لي من التنكر: شعر خنفسي وبدون نظارات! وأذكر جيِّداً أنني وسَّطت صديقاً ذا نفوذ واسع لاستخراج تلك البطاقة لي من الاتحاد الاشتراكي، فلربما نفعت في صرف النظر عني، ولو إلى حين، إذا ما طرأ تفتيش! وهكذا ذهبت إلى استوديو، وأخذت صورة لي، ثم أفلح الصديق في استخراج البطاقة المطلوبة .. عضواً بالاتحاد الاشتراكي (العظيم)، ذلك التنظيم الفرد الذي كنت قد نذرت نفسي لحربه! ولعل القاريء يلاحظ قوة تاثير رواية سيلوني عليَّ،  فقد لبس بطله أيضاً مسوح الرهبان المفترض أنهم نقيضه الثقافي! والأهم من ذلك أن القاريء لا بد قد رأى الآن كيف أن شروط اختبائي غير المؤسسية، والتي تكفل بها أصدقاء وأصدقاء وأصدقاء، قد فرضت عليَّ ألا انقطع عن التفكير في تجنيبهم أذى الأمن ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

وبدا لي أن هذا الحلم المداوم ما هو غير (رضوض) من ذلك الاختفاء الأعوج المعطون في الشفقة على من أحسنوا إلى شخصي بالمأوى حين عز ذلك حتى على حزبي حباً وكرامة! وقد قررت، منذ سنة أو نحوها، أن أدون ذلك الحلم وتنويعاته، ما وسعني التدوين، عقب كل ليلة يطوف فيها بي.

 

ليلة من ابريل 2007م

منزل قديم [دائماً قديم ومتهالك وزفر]. ممر يؤدي إلى غرفة، ولكنه فاتح على برندة بغرفة أخرى. أمُرُّ بالممر ولا أبدو في زيٍّ مستور تماماً. كنت شبه عار. ولدى عودتي من غرضي أفاجأ بصوت امراة [لها شلوخ مطارق كأنها رسمت بالكوبيا]، ومعها زوج بدا لي أنه هازل، وهما في زيارة أهل المنزل. عرفتني المرأة بالاسم، وقالت إنها عرفت أين اختبئء الآن وستخطر السلطات. قلت لها إننا نصادف كثيرين يعرفوننا ومن سَترنا حمدنا له ذلك وهو الواجب، أما من بلغ عنا فله وزره ولن نخشى شيئاً [قبل ذلك الحلم كان قد جري نقاش عن فضل هؤلاء الناس علينا مع الأستاذ مصطفى البطل وآخرين. وكان تصورهم أن الاختفاء عزلة نهائية. وكان رأيي أنه حياة عادية، إلى حد ما، وقائمة على ستر الآخرين من أهل وجيرة ومظاليم وغيرهم].

كنت في قرارة نفسي محرجاً لتعريض الأسرة التي أوتني للبلاغ. وكان عليَّ أن أكون حريصاً ولا أدخل المنزل بعد ذلك بغير السؤال عما إن كان ثمة زوار. كنت أعرف أنني، لظروف سياسية إيجابية، في مرحلة انتقالية ما بين السرية والعلنية [تكرر هذا الشق من الحلم الذي أكون فيه بين بين]، فخفف هذا من وزري نوعاً ما. كنت أفكر في البديل غير السهل لهذا المنزل الذي آواني طويلاً [وهذا موضوع متكرر في الحلم].

 

ليلة 24 مايو 07

كنت في بيت أعرف أصحابه بالاسم. كان كأنه بيتي، ولكنه، بشكل ما، مملوك لآخرين. أكلت فيه كيكاً ثم باسطة. وخشيت بصورة عميقة على سكان البيت من الأمن. عزائي دائماً كان أنني بين مرحلتين: بين الاختفاء وبين ترتيبات تجري للخروج للعلن. هذا سيخفف الأذي عن مضيفي نوعاً ما. ودفعني هذا إلى موضع اختفائي الحق [وهو البيت الذي يتكرر في أحلامي بشكل مستمر]: بيت آيل للسقوط، متهافت، مهجور. هذه المرة وجدته محتلاً بجماعة من غرب السودان غزيرة العدد حولته في نظري إلى استراحة مسافرين ينتظرون إكمال رحلة ما. جلست إلى امرأتين. واحدة قالت إنها من جبال النوبة، وتحدثت بعربية غرباوية. ولما نهضت لأمر ما رأيتها لابسة بصورة محذقة، وكاشفة عن ساقين خدلجتين. تابعتها بعين شبقة لحين. كانت قد رقدت بجانب أخرى أنحف وأجمل ولابسة توب.  تحدثت المرأة ذات الساقين عن "الشاعر المجهول"، فخفت منها. وانتابني شك أنها ربما التي ستبلغ عن وجودي في البيت. ولكني عرفت أنها تقصد بـ "الشاعر المجهول" نوعاً من الخضاب. فكشفت عن رجلها، وأشارت إلى ظفرها حيث الخضاب، وقالت إنه هو "الشاعر المجهول"! طفت بعد ذلك ببرندة البيت وغرفه، فإذا هي مكتظة بأولئك المسافرين، وأكثر الرجال نائمون مفترشين حصائر، وبدا منظرهم ولبسهم كالحجاج. وانتابني شعور مزعج بأنني فقدت هذا المنزل للأبد [يتكرر هذا دائماً] وكان أهل البيت رحلوا عنه وتركوه لي لسوء منافعه [وهذا أيضاً يتكرر]. وحزَّ في نفسي فقدان المنزل، فجأرت بالشكوي والاحتجاج لمن احتلوا بيتي بصوت واضح:

ـ "لكين البيت دا عندو اصحاب يا جماعة"!

وأكررها بيأس مبالغ فيه. 

 

ليلة 28 يونيو 07

عادني الحلم مشوشاً فلم التقط منه شيئاً.

 

ليلة 21 يوليو 07

[كنت أتفرج قبل النوم على قناة "كوميدي سنترال" مبتجهاً مع الكوميدي الأسود، وبخاصة وهو يتحدث عن خوفه عن التبليغ عن سرقة وقعت بمنزله لأن البوليس الأبيض، متى بلغ منزله، سيبدأ بإلقاء القبض عليه هو نفسه، وسيتعجب منه كحرامي لم يسرق فحسب، بل ووضع صور أهله على حوائط المنزل].

البيت الذي كنت قد قطعت صلتي به بدا كشقة في عمارة قديمة. جئته في زيارة لشخص بدا لي أنه (...) الذي عمل معي كمعاون بدار الوثائق في 1991م أو نحوها. وبدا أنه هو أيضاً ترك الشقة التي ورثها عن زملاء له بكلية العلوم بجامعة الخرطوم [هل يرجع هذا إلى دار آل حريز ببري التي استأجرناها مع الوالدة في 1968م، ثم سلفناها لزملاء عزابة شباب من معيدي جامعة الخرطوم خلال سفر الوالدة إلى البلد، فأوسعوها لخبطة ظلت الحاجة تقرِّعنا عليها ما حييَت؟!]. كنت على مستوى واحد دون الشقة. وبدا لي وكأن ثمة غرفة حيطانها مبنية إلى النصف. ولكي أدخل الشقة كان عليَّ أن أتسور تلك الحيطان. حاولت بغير جدوى. فاستغربت كيف كنت أبلغ الشقة حين سكنتها قديماً، واحترت لماذا هذا الصدود الآن! وحاولت تذكر طريقتي القديمة في بلوغ الشقة. وكنت أتحدث مع (...) وأقول له لقد كنت أعرف مداخل هذا البيت من قبل فماذا حدث لي أو له! ونظرت إلى الحائط المقابل فرأيت سلماً خشبياً من أربع أو خمس درجات. وقلت إنه ربما احتال به من جاءوا بعدي لبلوغ الشقة. كان السلم مقلوباً في نظري. ومضيت أحاول تسلقه، لكنه كان لا يصمد لخطوي عليه ويتأرجح. وجدت نفسي في هذا الصراع خارج العمارة تماماً عند صف دكاكين [هل متصل بها منزل؟!] هي طريقي، كما عرفت، إلي طلوع الشقة. كان الأبرز بين مَن التقيت بهم في ذلك المكان رجل أخضر، شديد الخضرة، يرتدي جلباباً أزرق، وبه شبه بنسيب لنا أو بآخر. واتخذ أنسي معه حول متاعبي في دخول الشقة دور كوميديا الرجل الواحد. وكنت أنا الكوميدي أتكلم على السجية، مصطحباً الرجل وجماعته، والرجل يضحك. وشكوت بهزء عن سوء هذا الترتيب لصعود المنزل الذي سيضطرني للمجيء إليهم كلما احتجت دخول الشقة، فأعبر مبناهم إليها. وكنت أسمع نفسي أقول لهم:

ـ "إنني اعرف أنكم لا تمانعون، ولكن لماذا هذا الترتيب الشقي، فلربما جئت يوماً ولم أجدكم"؟!

 

ليلة من أوائل أكتوبر 07

  كنت مختفياً في برندة مقفلة نوعاً ما، وملحقة ببيت صديق. أذكر وجه زوجته يطل عليَّ من النافذة الفاتحة على البرندة. إجراء السكن هذا اقتضته ضرورة حماية الصديق من وجودي معه بصورة مباشرة، فهو يأويني ولكنه لا يأويني أيضاً! وأذكر أنني كنت بين الاختفاء والعلن [مرحلة غبشاء تكررت]. ذهبت مثلاً للسوق [كان هناك قناع مبالغ فيه يسترني ولا يسترني!]. إشتريت حوائجي من لحم وخضار وجئت بها في قفة لها جيوب غريبة!

 

ليلة 27 أكتوبر 07

[كنت في يوم تلك الليلة بمدينة فلادليفيا في مؤتمر قدمت فيه ورقة عن صوت المرأة، مجلة الاتحاد النسائي السوداني اليساري التي كانت ترأس تحريرها الاستاذة فاطمة أحمد ابراهيم. ومن الورقة عرف الحضور صلتي القديمة بالشيوعية وأكثروا الإشارة إليها في نقاشهم].

حلمت تلك  الليلة بالبيت المتصدع نفسه، وهو ملحق ببيت آخر. البيت المتصدع مهدد بالهدم بواسطة صاحب الأرض. أشيائي وأشياء أمي خارج الغرف. كتبي واضحة بين المعروضات، ولا يبدو أن هناك من استعجلنا الرحيل لهدم البيت. وضع معلق. لا أذكر خطتي للعمل في ذلك الوضع. بدا لي أنني أريد لهذه الأشياء ان تعود أدراجها للغرف المتصدعة. وأذكر خواجة لم يجد حرجاً في أخذ بعض اشيائي أمام ناظري. وأوقفته.

 

ليلة 31 أكتوبر07

رأيتني، في الحلم، أقيم مع الأستاذ نور الهدي محمد نور الهدي في ديوانه، وأنا في حالة تكرر ورودها وهي أنني في مرحلة وسطي بين الاختفاء والعلن. ويقيم في الديوان جماعة من الشباب، جُلهم ميكانيكية. وكنت، طوال الحلم، أرتدي جلباباًً وعمة وحذاءً. لم يجر تفاعل بيني وبين أولئك الشباب برغم وجودنا في موضع واحد. وكان بينهم ضابط بوليس يرتدي الزي الرسمي بغير القبعة، فقد رأيت جلحاته ومباديء الشيب في شعره. لونه مما نصفه بأنه أسمر فاتح. كان بادي الاهتمام بي، وقال لي بغموض إنك واحد منهم! وخشيت أنه ربما كشف هويتي، لكنني تماسكت لأنني أعرف أنني، على كل حال، في سبيلي للخروج من الاختفاء، فلن يضير نور الهدى شئ. وسرعان ما اتضح لي أن البوليس لم يقصد هويتي السياسية، بل هويتي العرقية، وهي أنني من الفلاتة [كنت أيامها قد نشرت مقالاً عن جريدة الناس التي قالت إن اسماعيل الأزهري الزعيم من الفلاتة، وهو فصل من كتابي عن الدكتور منصور خالد]. وقال إنه عاين ظاهر كفي ووجد بها حبيبات مائل لونها إلى الغبشة، فقاقيع جلدية، طفح. وما لبثت أن أدركت ما رمى الرجل إليه، فقلت له: لست فلاتياً ولكنني مدمن (مررو)، أي الفول المدمس [درجت مؤخراً على أكل حبات منه مع بلحات مع كباية شاي أحمر مرة أو مرتين في اليوم وقت انسياق الأحلام]، وهو فول الحاجَّات النيجريات ممن بدأن بيع هذه المادة مما أذكر في مدينة عطبرة على صغري. ولم يفهم البوليس كلمة (مررو)، فشرحتها، وعرفت أنني نجوت.

إنتهى الحلم بنا في صحراء رمالها تمتد ولونها أحمر داكن. وكنا، سكان الديوان والبوليس فينا، كل منا يمتطي عربة. وقرب ما يشبه المِيس [وكان أخدوداً واضحاً]، فارقت رتل العربات، واتخذت طريقاً غير طريقهم واضحة عليها مجاري العربات. قطع الآخرون الأخدود بغير عناء بلمحة بصر. ولما جاء الدور عليَّ انتابني شك إن كنت سأقطعه للضفة الأخرى سالماً. ولكني سلمت. ثم اجتمعنا كلنا في شبه غابة قليلة الأشجار في ما يشبه الرحلة [كنت استمعت، أيام اختفائي في السبعينات، لأغنية تقول "دخلنا الغابة وصلنا ميسها" من تسجيل رحلة ما بدا لي أنها في غابة الخرطوم. ظل نغمها وعذوبتها معي].

 

ليل ـ صباح 12 ديسمبر07

نشأ موقف حرج لي نتيجة علم البوليس بموقع إقامتي في حلة هي، في ما يبدو، حلتنا القديمة (التمرجية بمدينة عطبرة) لظهور أبي بجلبابه الأبيض في الحلم بين آخرين. وكان ما كشفني ثرثرة أحدهم عن وجودي بالحلة، فقد أسرَّ بموضعي لكثير ممن حوله، ولا وضوح حول النية من وراء ذلك: أشرٌّ أم تطفل؟! وعاتبني من حولي، وفيهم أبي، لماذا عرف سري هذا الرجل الرديء! جرى الموقف كله في شارع بدا وكأنه من حلة التمرجية. واجتمع رجال ونساء حولي في شكل كتل مسرحية غير واضحة المعمار أو المقاصد. وبدا لي أن الأمر كان لحمايتي لأني كنت مرصوداً من قِبَل الأمن طوال حركة الكتل. ولكن الأمن، مع ذلك، لم يلق عليَّ القبض. فما يكاد يضع يده عليَّ حتى تبدد الكتل السائرة جهوده. ثم جاء الوقت لأتسلل من الموكب بصورة مؤمَّنة، وأبحث عن مخبأ آخر. وتم ذلك أخيراً، وبعد تفاصيل عديدة لم تبق في الذاكرة من الحلم.

* محاضر في تاريخ افريقيا بجامعة ميسوري ـ كولومبيا بالولايات المتحدة الامريكية.

 
     

فهرس الأخبار