مشكلات ما بعد سقوط “نظام” القذافي
December 13th, 2011- سقوط القذافي اعاد الثقة لدى الشعوب العربية بقدرتها على تحرير أوطانها من الطغاة والسفاحين وأبنائهم وأصهارهم
- على الشعب الليبي ونظامه الذي سيختاره بحرية أن يخوض فصولاً من المعاناة كي يحفظ لنفسه استقلالية قراره الوطني.
عبد الإله بلقزيز*
لا يشرّف أحداً في العالم أن يذرف دمعة على العقيد الليبي معمر القذافي، أو أن يتحسر على عهده ، فالرجل لم يترك ما يذكر به ذكراً حسناً، ولم يخلف عهده الطويل المظلم غير الفقر والتخلف والبداوة، وقوافل اليتامى والثكالى والأرامل، والمصابين في الأبدان والنفوس من ظلم أنزله بهم في السجون والمنافي. لذلك، لم يكن يسع أحداً من الليبيين أو العرب، من المقربين منه ومن المؤلفة قلوبهم – ممن استفادوا من بعض فتاته – أن يدافع عن عهده ولو من باب التلميح. بل إن أقرب رجال نظامه إليه تخلى عنه، قبل سقوطه، وانضم إلى صفوف المعارضة بعد أن فتحت ثورة الشباب في 17 شباط/ فبراير أفقاً أمام التغيير كان يبدو قبلها مسدوداً، بل شبه مستحيل. كذلك فعل عرب (سياسيون وصحفيون وكتاب) كانوا إليه يشدون الرحال، ومن أمواله يقتاتون، وإياه يمدحون!
لاعجب، إذن، من أن تجتمع ليبيا على إشهار الفرح الغامر من رؤيته ينتهي تلك النهاية المأساوية التي لا يتمناها المرء لعدوه، ومن أن يشعر الليبيون – ولأول مرة منذ أربعة عقود – بأنهم أصبحوا بشراً: لا جرذاناً ولا عبيداً كما أرادهم العقيد وصحابته وآل بيته. ولا عجب أن يعيد سقوطه الثقة لدى الشعوب العربية بقدرتها على تحرير أوطانها من الطغاة والسفاحين وأبنائهم وأصهارهم، وعلى إمساك مصيرها بيدها، بعد أن تعثر أمل التغيير وطال أمده في ليبيا لما يزيد عن ستة أشهر حتى كاد اليأس أن يستوطن النفوس وينال من الإيرادات.
غير أن أوضاع ليبيا اليوم، ومن أسفٍ، ما يخشى من أن يخطف هذا الفرح العارم الذي ولده مصرع الطاغية. وأسباب هذا الخوف عديدة ومتنوعة: أمنية ، سياسية ، سيادية ، اجتماعية، ليس من سبيل إلى تغطيتها باحتفالية النصر، أو بترديد القول أن أي نظام سياسي في ليبيا سيكون – قطعاً – أفضل من النظام السابق. والخشية الأكبر هي من أن لا تكون المعارضة الليبية ممثلة في “المجلس الوطني الانتقالي” – قادرة على مجابهتها واستيعاب آثارها وتداعياتها. لنشر هنا، وعلى سبيل التمثيل، إلى بعض من تلك الأوضاع والمشكلات بقدر من الاقتضاب.
أولها أمني، ويتمثل في فوضى السلاح والقرار العسكري، وبيانه ان عدداً من المجموعات المسلحة تعمل بعيداً عن الإمرة العسكرية المركزية التي تخضع لـ”المجلس الوطني الانتقالي” . تبين ذلك، ابتداءً ، في مقتل اللواء عبد الفتاح يونس أثناء استدعائه إلى بنغازي للتحقيق معه. لكن أمر ذلك استفحل أكثر بمناسبة معارك طرابلس يومي 20 و 21 آب/أغسطس 2011 وما تلاها من اندحار الكتائب الأمنية للقذافي وسيطرت قوات “المجلس العسكري” على معظم أحياء العاصمة. نذكر جميعاً صرخة التحذير التي أطلقها طيب الذكر مصطفى عبد الجليل، رئيس “المجلس الوطني الانتقالي” ، احتجاجاً على التسيب الأمني والتفلت الميداني من أي ضابط أو قرار من قبل من أسماها بالمجموعات المتطرفة، مهدداً بالاستقالة إن لم يتوقف ذلك التسيب. ثم أننا نعلم أن “المجلس الوطني الانتقالي” طالب المسلحين الوافدين إلى طرابلس من خارجها بمغادرتها. وهو ما يعني أن العاصمة تحت سيطرة قوى غير محكومة بقرار وطني مركزي. وقد يكفي دليلاً على خطورة الوضع الأمني أن “المجلس الوطني الانتقالي” لم يستطع بسهولة، وبعد أسبوعين أو أكثر من سقوط العاصمة، أن ينتقل إليها من بنغازي ويباشر مهماته في شؤون البلاد منها، بحسبانها رمز الدولة السياسي والسيادي!
وثانيها سياسي – اجتماعي، ويتمثل في ما يحتمل أن يفرض نفسه على الاجتماع السياسي الليبي، في مرحلة ما بعد “نظام” القذافي ، من مشكلات قد يكون منها ضعف البنى السياسية التي ستقوم (من الأحزاب والنقابات .. إلى الدولة الوطنية) أمام البنى الاجتماعية التقليدية، بسبب تضخم السلطة وغياب الدولة وإعدام الحياة السياسية في البلاد لما يزيد على أربعين عاماً، مع ما سيتتبعه ذلك من ظواهر التقابل بين سلطة الدولة الوليدة والسلطات الأهلية التقليدية، وربما التعارض بينها. ومنها ما قد يكون على علاقة بالفجوة المفترضة بين فكرة الدولة المدنية الديمقراطية واجتماع أهلي قبلي أعادت “الجماهيرية” الراحلة إنتاجه وتظهيره كاحتياطي استراتيجي للدفاع عن نظام يفتقر إلى شرعية سياسية ما خلا شرعية القوة (=الأمن وتحريك العصبيات: وهو عين ما فعله القذافي منذ 17 شباط/ فبراير حتى اليوم وما برح يفعله – حتى الآن- من وكره الذي يختفي فيه يوم مصرعه. والخشية (هي) من أن يؤدي اصطدام مشروع الدولة المدنية الديمقراطية بهذا الاجتماع الأهلي التقليدي إلى اضطرار النظام السياسي القادم إلى التنازل أمامه قصد تجنب الإخفاق في إدارة سلطة الدولة. قد لا يكون مثل هذا الاحتمال السيئ وارداً في حالتي تونس ومصر ، لأن البلدين، وإن عانى شعبهما الاستبداد قامت فيهما دولة وكان للحياة السياسية فيهما هوامش، بينما كان على الشعب الليبي، وما يزال، أن يقيم ديمقراطية، وأن يقيم دولة في الوقت عينه.
المزيد










Khartoum Time